الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢١٠
قال و إنما ثبات هذا العالم بقدر ما فيه من قليل نور ذلك العالم و إلا لما ثبت طرفه عين و يبقى ثباته إلى أن يصفي جزؤه الممتزج جزؤها المختلط فإذا صفا الجزءان عند ذلك دثرت أجزاء هذا العالم و فسدت و بقيت مظلمة و بقيت الأنفس الدنسة في هذه الظلمة لا نور لها و لا سرور و لا راحة و لا سكون و لا سلوة.
و قال كل مبدع ظهرت صورته في حد الإبداع فقد كانت صورته في علم الأول- فالصور عنده بلا نهاية قال أبدع الواحد بوحدانيته صورة العنصر ثم العقل انبعث عنها ببدعة الباري فرتب العنصر في العقل ألوان الصور على قدر ما فيها من طبقات الأنوار و أصناف الآثار و صارت تلك الطبقات صورا كثيرة دفعة واحدة كما يحدث الصور في المرآة الصقيلة بلا زمان و لا ترتيب بعض على بعض غير أن الهيولى لا يحتمل القبول دفعة واحدة إلا بترتيب و زمان فحدثت تلك الصور فيها على الترتيب انتهى.
أقول قد علم من كلامه أن مذهبه دثور هذا العالم و فساده و نفاده و اضمحلاله و زواله و ظهر من كلامه أيضا أن علومه تعالى قديمة قائمة بذاته من غير لزوم تكثر في صفاته و أن معلوماته حادثة لقيامها بالهيولى التي شأنها القوة و الاستعداد و قبول التغير و التجدد لصور الأجساد صورة بعد صورة.
و من عظماء الحكمة و كبرائها أنباذقلس
و هو من الخمسة المشهورة من رؤساء يونان كان في زمان داود النبي ع و تلقى العلم منه و اختلف إلى لقمان الحكيم- و اقتبس منه الحكمة ثم عاد إلى يونان.
نقل عنه أنه قال إن العالم مركب من الأسطقسات الأربع و إنه ليس وراءها شيء أبسط منها و إن الأشياء كامنة بعضها في بعض و أبطل الكون و الفساد و الاستحالة و النمو.
أقول و لكلا قوليه وجه صحة أشرنا إليه في رسالة إثبات الحدوث و كون الأفلاك عنصرية مما يمكن تصحيحه و لكن العناصر فيها على وجه أعلى و أشرف مما يوجد في السفليات و إلى هذا المذهب مال بعض العرفاء الكاملين.
و أما مذهب الكمون فليس معناه ما فهمه الجمهور من أهل النظر أن في النار