الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٠١
حتى أن النار لا يحرق شيئا كالحطب مثلا لأجل أن يحترق المادة و كذا الماء لا يرطب شيئا كالثوب لأجل أن يبتل بل لأجل أن يكمل كل منهما ذاته و يحافظ على جوهره و طبعه.
و كذا النفس لا يدبر البدن لأن ينصلح حال البدن و يعتدل مزاجه و يستقيم نظام أجزائه بل لأن يبلغ إلى كماله أو يصل إلى غايتها و ينال بغيتها و شهوتها فكل موجود سافل له طريق إلى كماله العالي يسلكه طبعا أو إرادة و كل من تصور في حقه نوع من الكمال فلا محالة يتوجه إليه و يطلبه أو يشتاق إليه طلبا طبيعيا أو شوقا نفسانيا.
و هذا الطلب و الشوق المركوزان في جبلة الأشياء لو لم يكن لهما غاية ذاتية- و نهاية ضرورية لازمة لكان ارتكازه في الجبلة و الغريزة عبثا و باطلا و هباء و معطلا و لا باطل في الوجود و لا تعطيل في الطبيعة.
فقد علم أن لكل سافل قوة إمكان الوصول إلى ما هو أعلى منه.
و هذا الإمكان إما ذاتي فقط كما في المبدعات و إما استعدادي كما في المكونات- ففي الإبداعيات إذ قد ثبت الإمكان و وجد المقتضي و رفع المانع و القاسر حصل المقصود و الغاية و المانع و القاسر لا يوجدان في المفارقات لعدم التضاد و التزاحم كما في عالم الحركات فالوصول متحقق أبدا.
و أما في هذا العالم فالقواسر و الشرور و إن كانت موجودة إلا أنها ليست دائمية و لا أكثرية لأنها من الأسباب الاتفاقية لا من الأسباب الذاتية للأشياء و قد برهن في مباحث العلة و المعلول أن العلل الاتفاقية أقلية الوجود لا تدوم و مع قلتها و انقطاعها لا يوجد إلا في غير الفلكيات.
و أما فيها فالطبائع الأثيرية على مقتضى حالها من الفوز بمقاماتها اللائقة فلها الوصول الدائم إلى معاشيقها العقلية من جهة نفوسها الكلية و لها أيضا في كل آن وصول تدريجي إلى مقصودها من جهة نفوسها الجزئية.