الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٠
فصل (٢) في إثبات أن كل متحرك جسما كان أو طبيعة أو نفسا سيئول إلى فناء بل كل شيء هالك إلا وجهه كما نطق به القرآن و وافقه البرهان
و اعلم أن الباري جل ذكره فاعل كل شيء و قد مر في مباحث العلل و المعلولات و أحكامها أن الغاية الذاتية لكل شيء يرجع إلى فاعله بوجوه صحيحة قوية لا حاجة إلى إعادتها هاهنا لحصول الغناء عنها بالرجوع إلى ما هناك لمن كان له قلب متوقد.
و بالجملة إنه جل مجده خير محض لا شر فيه أصلا و وجود صرف لا يشوبه عدم و كل ما يكون خيرا محضا و وجودا بحتا يطلبه و يتقرب إليه كل شيء طبعا و إرادة أو يطلب ما يطلبه و يتقرب إلى ما يتقرب إليه طبعا و إرادة.
و هذا أمر مركوز في جبلة العالم و جزئياته و كلياته و محسوساته و معقولاته و أرضياته و سماوياته و مركباته و مبسوطاته كما قال سبحانه وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ ظِلالُهُمْ و قوله وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ و من تصفح أجزاء العالم لم يجد موجودا إلا و له توجه غريزي أو حركة جبلية إلى ما هو أعلى منه طلبا للبقاء الأدوم و الشرف الأقوم و تخلصا عن الوجود الأنقص المشوب بالعدم و الفساد و هكذا.
فما من موجود إلا و له عشق و شوق غريزي إلى ما وراءه و هذا المعنى في بعض الأشياء معلوم بالضرورة و في بعضها مشهود بالحس و في بعضها مكشوف بالبرهان و في الكل متيقن بالاستقراء و التتبع مع الحدس الصحيح فضلا عن البرهان المشار إليه من أن الوجود خير محض مؤثر لذاته و ما ذكر أيضا فيما سلف من أن العالي لا يفعل شيئا لأجل السافل بل لأجل ذاته كالباري أو لأجل ما هو أشرف من ذاته كما سواه.