الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٩٩
و الكليات الطبيعية لا وجود لها استقلالا إلا بما يقومها وجودا و يحصلها شخصا- فهي أيضا جسمانية الكون و كل جسماني الكون فهو متجدد الوجود لا بقاء له و لا ثبات فيه فالطبيعة لا شعور لها بذاتها و لا بغيرها فلا شوق لها إلى عالم العقل فلا يدوم و أيضا لا يمكن بقاؤها إلا بالنفس كما مر.
و قد علمت أن النفس لا تدوم فيها و معها بل يرتقي عنها و تخليها لأنها محنة و عذاب لها و إنما أهبطت النفس إليها و بليت بها لعصيان و نقصان اعتراها في النشأة الأولى و خطيئة صدرت عنها في مبدإ الوجود و أول الولادة فاستوجب الوقوع في موضع البلية و المحنة حتى يزول عنها النقائص و العيوب و درن الذنوب و وسخ الجرائم فتخرج عند ذلك عن السجن الطبيعي.
ثم إن مكان البلية لا يبقى عند خروج المذنب من ذنبه كما أن السجن إذا خرج عنه المسجون لم يبق له بيت مغلق بابه و لا أيضا حاجة إلى السجن بعد خروج المسجون.
و إليه الإشارة بقول الصادق ع
: لا يقوم الساعة و على وجه الأرض من يقول الله الله
فلذلك وجب في الحكمة الإلهية و السنة الواجبية زوال الطبيعة و تلاشيها و دثورها و اضمحلالها.
فثبت بالبرهان الصريح أن ذهاب الطبيعة و دثور الأجسام أمر ممكن واجب في الحكمة و أن الطبيعة سواء كانت سماوية أو أرضية إذا استحالت و ذهبت تخلت النفس و لخراب البيت [البدن] ارتحلت كما قال سبحانه إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ وَ أَذِنَتْ لِرَبِّها وَ حُقَّتْ وَ إِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَ أَلْقَتْ ما فِيها وَ تَخَلَّتْ فإن انشقاق السماء إشارة إلى ذهاب طبيعتها عند ما رجعت نفسها إلى بارئها- و أذنت داعيها و هو مفاد قوله تعالى يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَ ادْخُلِي جَنَّتِي