العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٣١ - من أرتج عليه في خطبته
و خطبة لأبي حمزة
أما بعد، فإنك في ناشئ فتنة، و قائم ضلالة قد طال جثومها، و اشتدّ عليك غمومها، و تلوّت مصايد عدوّ اللّه، و ما نصب من الشرك لأهل الغفلة عما في عواقبها، فلن يهدّ عمودها، و لن ينزع أوتادها، إلا الذي بيده ملك الأشياء و هو اللّه الرحمن الرحيم: ألا و إن للّه بقايا من عباده لم يتحيروا في ظلمها، و لم يشايعوا أهلها على شبهها؛ مصابيح النور في أفواههم تزهو، و ألسنتهم بحجج الكتاب تنطق؛ ركبوا منهج السبيل، و قاموا على العلم الأعظم، هم خصماء الشيطان الرجيم، بهم يصلح اللّه البلاد، و يدفع عن العباد؛ طوبى لهم و للمستصبحين بنورهم، و أسأل اللّه أن يجعلنا منهم.
من أرتج [١] عليه في خطبته
أول خطبة خطبها عثمان بن عفان أرتج عليه؛ فقال: أيها الناس، إن أول كلّ مركب صعب؛ و إن أعش تأتكم الخطب على وجهها؛ و سيجعل اللّه بعد عسر يسرا إن شاء اللّه.
و لما قدم يزيد بن أبي سفيان الشام واليا عليها لأبي بكر، خطب الناس فأرتج عليه؛ فعاد إلى الحمد للّه، ثم أرتج عليه فعاد إلى الحمد ثم أرتج عليه فقال: يأهل الشام عسى اللّه أن يجعل بعد عسر يسرا، و بعد عيّ بيانا؛ و أنتم إلى إمام فاعل أحوج منكم إلى إمام قائل. ثم نزل، فبلغ ذلك عمرو بن العاص فاستحسنه.
صعد ثابت قطنة منبر سجستان، فقال: الحمد للّه. ثم أرتج عليه؛ فنزل و هو يقول:
فإن لا أكن فيهم خطيبا فإنني # بسيفي إذا جدّ الوغى لخطيب
فقيل له: لو قلتها فوق المنبر لكنت أخطب الناس.
[١] أرتج عليه: استغلق عليه الكلام.