العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٩٩ - خطبة زياد البتراء
ممّن يشاء، و يعز من يشاء، و يذلّ من يشاء. أما بعد: فإنه لم يعزّ اللّه من كان الباطل معه، و إن كان معه الأنام طرّا؛ و لم يذل من كان الحقّ معه، و إن كان فردا. ألا و إن خبرا من العراق أتانا فأحزننا و أفرحنا، فأما الذي أحزننا فإن لفراق الحميم لوعة يجدها حميمه، ثم يرعوي ذوو الألباب إلى الصبر و كريم العزاء؛ و أما الذي أفرحنا فإن قتل المصعب له شهادة و لنا ذخيرة، أسلمه النّعام المصلم [١] الآذان؛ ألا و إنّ أهل العراق باعوه بأقل من الثمن الذي الذي كانوا يأخذون منه؛ فإن يقتل فقد قتل أخوه و أبوه و ابن عمه، و كانوا الخيار الصالحين. و إنا و اللّه لا نموت حتفا، و لكن قعصا [٢] بالرماح، و موتا تحت ظلال السيوف؛ ليس كما يموت بنو مروان!ألا إنما الدنيا عارية من الملك الأعلى الذي لا يبيد ذكره. و لا يزول سلطانه؛ فإن تقبل الدنيا علي لم آخذها أخذ الأشر البطر؛ و إن تدبر عني لم أبك عليها بكاء الخرق المهين ثم نزل.
خطب زياد
خطبة زياد البتراء
قال أبو الحسن المدائني عن مسلمة بن محارب عن أبي بكر الهذلي قال: قدم زياد البصرة واليا لمعاوية بن أبي سفيان و ضم إليه خراسان و سجستان؛ و الفسق بالبصرة ظاهر فاش. فخطب خطبة بتراء، لم يحمد اللّه فيها؛ و قال غيره بل قال: الحمد للّه على إفضاله و إحسانه، و نسأله المزيد من نعمه و إكرامه. اللهم كما زدتنا نعما فألهمنا شكرا.
أما بعد، فإن الجهالة الجهلاء، و الضلالة العمياء، و العمى الموفي بأهله على النار، ما فيه سفهاؤكم، و يشتمل عليه حلماؤكم من الأمور العظام، ينبت فيها الصغير و لا يتحاشى عنها الكبير؛ كأنكم لم تقرءوا كتاب اللّه، و لم تسمعوا بما أعد اللّه من الثواب الكريم لأهل طاعته، و العذاب العظيم لأهل معصيته، في الزمن السرمدي الذي لا يزول.
[١] المصلّم: المقطوع.
[٢] قعصه قعصا: طعنه بالرمح طعنا سريعا.