العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦٥ - خطب علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه
أنبياء، مهديين نجباء؛ استودعهم و أقرهم في خير مستقر، تناسختهم أكارم الأصلاب، إلى مطهّرات الأمهات، كلما مضى منهم سلف انبعث لأمره منهم خلف، حتى انتهت نبوّة اللّه و أفضت كرامته إلى محمد صلّى اللّه عليه و سلم؛ فأخرجه من أفضل المعادن محتدا، و أكرم المغارس منبتا، و أمنعها ذروة، و أعزها أرومة، و أوصلها مكرمة من الشجرة التي صاغ منها أمناء، و انتخب منها أنبياء، شجرة طيبة العود، معتدلة العمود، باسقة الفروع، مخضرة الأصول و الغصون، يانعة الثمار، كريمة المجتنى، في كرم نبتت، و فيه بسقت و أثمرت، و عزت فامتنعت، حتى أكرمه اللّه بالروح الأمين، و النور المبين، فختم به النبيين، و أتم به عدة المرسلين، [و جعله]خليفته على عباده، و أمينه في بلاده؛ زينه بالتقوى و آثار الذكرى؛ و هو إمام من اتقى، و نصر من اهتدى، سراج لمع ضوأه، و زند برق لمعه، و شهاب سطع نوره؛ فاستضاءت به العباد، و استنارت به البلاد؛ و طوى به الأحساب فأزجى به السحاب، و سخر له البراق حتى صافحته الملائكة، و أذعنت له الألسنة، و هدم به أصنام الآلهة، سيرته القصد، و سنته الرشد؛ و كلامه فصل، و حكمه عدل؛ فصدع صلّى اللّه عليه و سلم بما أمره به، حتى أفصح بالتوحيد دعوته؛ و أظهر في خلقه لا إله إلا اللّه، حتى أذعن له[الخلق]بالربوبية، و أقرّ له بالعبودية و الواحدانية؛ اللهم فخصّ محمدا بالذكر المحمود. و الحوض المورود. اللهم آت محمدا الوسيلة و الرفعة و الفضيلة، و اجعل في المصطفين محلته، و في الأعلين درجته، و شرّف بنيانه و عظّم برهانه، و اسقنا بكأسه، و أوردنا حوضه، و احشرنا في زمرته، غير خزايا و لا ناكثين و لا شاكين و لا مرتابين و لا ضالين و لا مفتونين و لا مبدلين و لا حائدين و لا مضلين؛ اللهم أعط محمدا من كل كرامة أفضلها، و من كل نعيم أكمله، و من كل عطاء أجزله، و من كل قسم أتمه؛ حتى لا يكون أحد من خلقك أقرب منك مكانا، و لا أحظى عندك منزلة و لا أقرب إليك وسيلة، و لا أعظم عليك حقا-و لا شفاعة، من محمد؛ و اجمع بيننا و بينه في ظل العيش، و برد الرّوح [١] ، و قرة الأعين، و نضرة السرور، و بهجة النعيم؛ فإنا نشهد أنه قد بلغ
[١] الروح: نسيم الريح.