الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٦٦٢ - باب الجبر والقدر و الأمر بين الأمرين
الذكرُ الأوّل، فَتَعْلَمُ ما الإرادةُ؟» قلتُ: لا، قال: «هي العزيمةُ على ما يشاء، فَتَعْلَمُ ما القَدَرُ؟» قلتُ: لا، قال: «هي الهَنْدَسَةُ ووَضْعُ الحدودِ من البقاء والفَناء»، قال: ثمّ قال:
«والقضاء هو الإبرامُ وإقامةُ العينِ». قالَ: فَاسْتَأذَنْتُهُ أن اقَبِّلَ رأسَه، وقلتُ: فَتَحْتَ لي شيئاً كنتُ عنه في غفلةٍ.
٥. محمّد بن إسماعيلَ، عن الفضل بن شاذان، عن حَمّاد بن عيسى، عن إبراهيمَ بن عُمرَ اليمانيّ، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ فَعَلِمَ ما هم صائرون إليه، وأمَرَهم ونَهاهم، فما أمَرَهم به من شيءٍ فقد جَعَلَ لهم السبيلَ إلى تَرْكِه، ولا يكونونَ
عند الملّيين، وإثباتها معظم اصولهم، وأوّل مسألة خلافيّة يتكلّم فيها في صفاته تعالى، فبهذا الاعتبار قيّده بالأوّل.
ويحتمل أن يكون الذكر بمعنى الثناء، وحينئذٍ فالمراد ما يثنى به، أي أوّل ما يثنى به اللَّه تعالى.
وقوله: (هي العزيمة على ما يشاء) أي هي العزيمة على ما يقدر. والهندسة على وزن دحرجة مشتقّ من الهنداز معرّب «انداز» فابدلت الزاي سيناً؛ لأنّه ليس في كلام دالٌ بعدها زاي، فالهندسة معرّب «اندازه» أي المقدار، وقد عرفت أنّ المراد بالقدر تعلّق الإرادة، ولمّا كان إرادة اللَّه تعالى تعلّق في الأزل بإيجاد الحادث- سواء كان من أفعال العباد أو غيرها- في وقت معيّن على قدر معيّن بتعيّن زمان بقائها وزمان فنائها وأمثال ذلك بذلك المتعلّق للإرادة، فكشف عن حال السبب- أعني التعلّق- بذكر مسبّباته وقال: (هي الهندسة) إلخ.
وقوله: (والقضاء هو الإبرام وإقامة العين) أي هو إحكام المراد، وإقامة عينه، أي إيجاده.
وإنّما قال: (فتحت عليّ شيئاً كنت عنه في غفلة) لتوهّمه أنّ تعلّق قدرته وإرادته تعالى بالمعاصي قبيح، أو يوجب الجبر، فلمّا علم حقيقة الحال، علم أنّهما يتعلّقان بكلّ كائن بدون جبر وقبح.
قوله عليه السلام: (فقد جعل لهم السبيل إلى تركه)
وذلك هو القدرة والإرادة المؤثّرة للعبد وإن لم تكونا مستقلّتين بالتأثير، فهذا الكلام ردّ على المجبّرة، والفاء يدلّ على أنّه يندفع بذلك شبهة المجبرة وتمسّكهم بالعلم الأزلي،