الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٣١٧ - باب حدوث العالم و إثبات المحدث
يا أخا أهل مصر، تَفهَّمْ عنّي، فإنّا لا نَشُكُّ في اللَّه أبداً، أما ترى الشمسَ والقمرَ والليلَ
و (تَفَهَّمْ عنّي، فإنّا) نتيقّن بوجود الصانع و (لا نشكّ) فيه (أبداً) فيجب على الشاكّ الرجوع إلى المتيقّن؛ ليبيّن له الحقّ، ويهديه إلى سبيل الرشاد.
والمقصود من قوله: (أما تَرى الشمسَ والقمرَ) إلخ إقامة البرهان والاستدلال على وجود الصانع القادر المختار، والمتنزّه عن الإمكان وسائر النقائص؛ يعني واجب الوجود بالذات، بوجود حوادث من أحوال العالم من العِلْويّات والسِفْليّات كحركات الأفلاك وإفناء الناس وإعادتهم وما هو من هذا القبيل، وبوجود ثوابت من أحوالهما المختلفة كرفع السماء ووضع الأرض، بوجوه ثلاثة ليتبيّن أنّه تعالى صانع لجميع العالم: حوادثه ومتغيّراته وقدمائه وثوابته لو كان في العالم قديماً ثابتاً؛ ليظهر بطلان ما توهّمه هؤلاء أنّ القديم الزماني- ولو كان ممكناً ذاتياً- لا يحتاج في الوجود إلى صانع مؤثّر، بل موجود من عند نفسه من غير استناده إلى فاعل وجاعل، وإنّما يحتاج إلى المبدأ الحوادثُ الزمانيّة السفليّة، ويزعمون أنّ مبدأها هو الدهر، والحوادث العلويّة كالدورات الفلكيّة مستندة إلى ذواتها القديمة.
وقبل[١] الخوض في المطلوب لا بدّ من تمهيد مقدّمات مرتكزة في العقول السليمة، لا يشكّ فيها من له عقل مستقيم إلّاعند الاشتباه الناشئ من ورود الشُبَه التي لا يُقدر على حلّها؛ للعجز عن التفصيل والتبيان اللذَيْن بهما يتبيّن انحلالها، ولم يتوجّه عليه السلام إلى بيان تلك المقدّمات؛ لأنّ المخاطب لم يتوقّف في التصديق للشكّ فيها، ولقد وقع الاحتياج إليها في زماننا؛ لشيوع الشُبَه وكثرةِ ذكرها بين المتأخّرين وكثرة[٢] نفع بيان تلك المقدّمات للطالبين، فرأيت أن اوردها لينتفع بها في إثبات المبدأ الأوّل.
المقدّمة الاولى: أنّ الموجود بحسب التقسيم العقلي لا يخلو إمّا أن يكون ذاته كافية في كونه موجوداً، بمعنى أنّه إذا اخذ ذاته من حيث هي هي يكون موجوداً في حدّ ذاته ونفسه، ويكون موجوديّته ووجوده عين ذاته، ولا يحتاج في موجوديّته إلى أمر آخر من الوجود
[١]. انظر: الحاشية على اصول الكافي للنائيني، ص ٢٤٤- ٢٤٧.
[٢]. في حاشية النائيني:« كثر».