الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٢٢٨ - كتاب فضل العلم
يتولّى فيها رجالٌ رجالًا، فلو أنّ الباطلَ خَلَصَ لم يَخْفَ على ذي حِجى، ولو أنَّ الحقَّ خَلَصَ لم يكن اختلافٌ، ولكن يُؤخَذُ من هذا ضِغثٌ ومن هذا ضِغثٌ فيُمزَجان فيجيئان معاً، فهُنالِك استَحْوَذَ الشيطانُ على أوليائه، ونجا الذين سبَقَتْ لهم من اللَّه الحُسنى».
يخالف في الأحكام المبتدعة كتاب اللَّه.
وقوله: (يتولّى فيها رجالٌ رجالًا) يقال: تولّاه، إذا اتّخذه وليّاً، أي يتّخذ في تلك الأحكام المبتدعة رجالٌ- هم المقلّدون- رجالًا- هم صاحبو الأحكام- حبيبهم، أو ناصرهم، أو أولى بتصرّفهم.
والحاصل أنّ المقلّدين والمطيعين لصاحب تلك الأحكام يقلّدونهم ويطيعونهم فيها.
قد ذكر عليه السلام ثلاثة أنواع من الفتنة، أو ممّا يوجبها:
الأوّل: الأهواء المتّبعة وهي فتنة، أو منشؤها لصاحبيها.
و الثاني: الأحكام المبتدعة وهي فتنة، أو منشؤها لصاحبيها، ولمقلّد [ي] هم أيضاً.
و الثالث: تولّي المقلّدين للمبتدئين، وذلك فتنة، أو مبتدؤها لهما ولغيرهما أيضاً؛ لأنّه يوجب إفساد حال غيرهما أيضاً من الإضلال والإهلاك والإضرار كما لا يخفى.
وقوله عليه السلام: (فلو أنّ الباطل لم يَخْفَ على ذي حِجى) إلخ بيان لأنّ الأهواء المتّبعة والأحكام المبتدعة إنّما هو بدء وقوع الفتن وموقعة للضلال؛ لسبب خلطها، ومزجها بالحقّ، والافتتان باجتماعهما؛ فإنّ الباطل الخالص لا يخفى بطلانه «على ذي حِجى» أي ذي عقل وفطانة- وهو بكسر الحاء المهملة وفتح الجيم مقصوراً- والحقّ الخالص واحد لا يكون فيه اختلاف، ولا يؤدّي إلى ضلال، (ولكن يُؤخَذُ من هذا) الباطل (ضِغثٌ) أي قبضة وحصّة مختلطة- قال في القاموس: «ضَغَثَ الحديثَ: خَلَطَهُ، والضِغث- بالكسر- قُبْضَةٌ من الحشيش مُختَلَط[١] الرَطْبِ باليابس»[٢] (ومن هذا) الحقّ (ضغث فيمتزجان) ويختلطان (فيجيئان معاً) أي مقارنَيْن، فيحصل الاشتباه (فهُنالِك استحوذ) أي غلب (الشيطانُ على أوليائه) أي محبّيه وأتباعه باتّباعهم الأهواء والبدع (ونجا الذين سبقت لهم من اللَّه الحسنى)
[١]. في المصدر:« قبضة حشيشٍ مُخْتَلطَةُ».
[٢]. القاموس المحيط، ج ١، ص ٣٦٢.