الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ١٧٣ - كتاب فضل العلم
بل قد رأيتُ أنَّ الحجَّةَ عليه أعظمُ، والحسرةَ أدومُ على هذا العالم المنسلخ من علمه منها على هذا الجاهلِ المتحيّرِ في جهله، وكلاهما حائرٌ بائرٌ، لا تَرتابوا فَتَشُكّوا، ولا تَشُكّوا فتَكْفُروا،
والاستفاقة استفعال مِن أفاق، إذا رجع إلى ما شغل عنه، ومنه استفاقة المريض والمجنون والمغمى عليه.
وقوله: (بل قد رأيتُ أنّ الحجّة عليه أعظمُ) أي قد علمت علماً قريباً من المعاينة أنّ الحجّة على هذا العالم أعظم من الحجّة على هذا الجاهل.
وجملة قوله: (والحسرة أدوم على هذا العالم) إلخ، عطف على جملة «قد رأيت» أو على مدخول «أنّ» وقوله: «على هذا العالم» متعلّق بقوله: «أدوم».
وقوله: (المنسلخ من علمه) أي المشرف على الانسلاخ، أو معناه المنسلخ من غاية علمه من نيل السعادات الأبديّة.
وضمير «منها» راجع إلى «الحسرة».
والبائر: الهالك.
والمراد بالارتياب هاهنا الوصول إلى الريبة والوقوع فيها. والريبة: قلق النفس واضطرابها ضدّ الطمأنينة، قال في القاموس: «أمرٌ ريّابٌ كشَدَّادٍ مُفْزِعٌ[١]. ومنه قوله صلى الله عليه و آله و سلم: « [دَعْ] ما يُريبك إلى ما لا يُريبك» فإنّ الشكّ ريبة، والصدق طمأنينة[٢]. انتهى فمعنى قوله عليه السلام: (لا تَرتابوا فتَشُكّوا) أنّه لا توقعوا أنفسكم في القلق والاضطراب بسبب التوغّل بالشبهات وكثرة الخصومات في العلوم المتيقّنة لكم؛ فإنّه يؤدّي إلى أن تشكّوا فيها.
ووجه مناسبة هذه الفقرة لسابقها أنّه قد يكون ترك العمل الذي يقتضيه العلم للارتياب المفضي إلى الشكّ في هذا العلم فنهى عنه.
وقوله: (ولا تَشُكُّوا فتَكْفُروا) أي لا توقعوا أنفسكم في الشكّ، واحذروا من طريانه على
[١]. القاموس المحيط، ج ١، ص ٢١٦( ريب).
[٢]. كشف الغمّة، ج ٢، ص ٣٣٢، وأوردنا مصادر الحديث في تعليقنا عليه.