الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ١٤١ - كتاب فضل العلم
لكم» ثمَّ قال عيسى عليه السلام: «بالتواضع تُعمر الحكمةُ لا بالتكبّر، وكذلك في السَّهْل يَنْبُتُ الزرْعُ، لا في الجَبَل».
الأوّل[١]: أنّه لمّا كان العالم يقتدي به الناس في أفعاله الحسنة، وكلُّ ما فعله يشتهر ويصير دأباً مستمرّاً بينهم بخلاف غيره والخدمة من الأفعال الحسنة فهو أولى وأحقّ بالخدمة من الجاهل؛ ليتّبعه الناس وصار ذلك الفعل الحسن منتشراً بينهم؛ يدلّ على ذلك قوله: «إنّما تواضعت هكذا لكيما تتواضعوا بعدي [في] الناس كتواضعي لكم» وذلك لا ينافي كونه أحقّ بالمخدوميّة من جهة اخرى وهي النظر إلى مرتبة العالم والجاهل في نفسهما مع قطع النظر عن إرشاد الناس بحسن الخدمة.
و الثاني[٢]: أنّه يجب للعالم زرع بذر الحكمة في قلوب الناس، وإرشادهم وهدايتهم إلى الحقّ، وذلك لا يؤثّر حقّ التأثير غالباً في قلوبهم القاسية، وأكبادهم الغليظة بغلبة القوّتين:
الغضبيّة والشهويّة، فينبغي له أوّلًا أن يرقّق قلوبهم، ويليّن أكبادهم بالتواضع والخدمة والملاطفة، ثمّ أرشدهم وعلّمهم الحقّ حتّى يتأثّروا من كلامه وينتفعوا به، فهو أحقّ الناس بالخدمة والتواضع؛ يدلّ على ذلك قوله عليه السلام: (بالتواضع تُعمر الحكمة) إلخ.
و الثالث: أنّه لمّا كان المرء يتخلّى عن كثير من الرذائل- كالعجب والتكبّر والترفّع والغلبة والتسلّط ونحوها- بكسر نفسه بالخدمة والتواضع والتذلّل، وبذلك يتحلّى بكثير من الفضائل، فالعالم المستكمل لقوّتيه: النظريّة والعمليّة معاً أحقّ الناس بالخدمة والتواضع والتذلّل ليستكمل به قوّته العمليّة، ويتّصف بالحكمة، و ماينطق على هذا المعنى قوله عليه السلام:
«بالتواضع تُعمر الحكمةُ» إلخ.
[١]. هذا الوجه ذكره الملّا خليل القزويني في الشافي، ص ١٣٧( مخطوط)، وورد في هامش بعض نسخ الحاشية علىاصول الكافي للنائيني، ص ١١٦.
[٢]. هذا الوجه ذكره في مرآة العقول، ج ١، ص ١٢٢ بعنوان« أو يقال».