الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٦٧١ - باب الاستطاعة
سألتُ أبا عبد اللَّه عليه السلام: هل للعباد من الاستطاعة شيءٌ؟ قال: فقال لي: «إذا فعلوا الفعلَ كانوا مستطيعينَ بالاستطاعة التي جَعَلَها اللَّهُ فيهم». قالَ: قلتُ وما هي؟ قال: «الآلةُ مثلُ الزاني إذا زنى كانَ مُستطيعاً للزنى حين للزنى، ولو أنَّه تَرَكَ الزنى ولم يَزْنِ كانَ مستطيعاً لتَرْكِه إذا ترك»، قال: ثمّ قال: «ليس له من الاستطاعة قبلَ الفعلِ قليلٌ ولا كثيرٌ، ولكن من الفعلِ والتركِ كانَ مُستطيعاً». قلتُ: فعلى ماذا يُعَذِّبُهُ؟ قال: «بالحجّةِ البالغةِ والآلةِ التي رَكَّبَ فيهم، إنّ اللَّه لم يُجْبِرْ أحداً على معصيته، ولا أرادَ- إرادةَ حَتْمٍ- الكفرَ من أحدٍ، ولكن حينَ كَفَرَ كانَ في إرادة اللَّه أن يَكْفُرَ، وهم في إرادةِ اللَّه وفي عِلْمِه أن لا يَصيروا إلى شيء من الخير». قلتُ: أرادَ منهم أن يكفروا؟ قال: «ليس هكذا أقولُ، ولكنّي أقول: عَلِمَ أنّهم سَيَكْفُرونَ، فأرادَ الكفرَ لعِلْمِه فيهم، وليست هي إرادة حَتْمٍ، إنّما هي إرادةُ اختيارٍ».
هذا مثال لقوله: (إذا فعلوا الفعل) إلخ وليس مثالًا لتفسير الاستطاعة، ولمّا توهّم السائل من قوله عليه السلام-: (كانوا مستطيعين بالاستطاعة التي جعلها اللَّه فيهم) ومن أنّ الاستطاعة مع الفعل لا قبله- الجبرَ، فسأل عنه بقوله: (فعلى ماذا يعذّبه؟) أي يعذّب الزاني.
والمراد بالحجّة البالغة أوامر اللَّه تعالى ونواهيه وإرسال الرسل وإنزال الكتب ونصب الأئمّة في إعلام[١] الناس بالأفعال النافعة والضارّة.
والمراد بالآلة التي ركّب فيهم القدرة والإرادة المؤثّرة[٢] اللتين خلقهما اللَّه تعالى في العباد[٣] (ولكن حين كفر كان في إرادة اللَّه تعالى أن يكفر) أي لمّا كفر باختياره من غير جبر، كان في إرادة اللَّه تعالى أن يكفر باختياره، بمعنى أنّ إرادة اللَّه تعالى الكفر من أحد تابع لإرادته المؤثّرة واختياره الكفر، كما أنّ علمه بأفعال غيره تابع للمعلوم، وكذا الحال في قدرته تعالى وقدره وقضائه بالنسبة إلى أفعال العباد.
وقوله: (أن لا يصيروا إلى شيء من الخير) أي باختيارهم وإرادتهم المؤثّرة.
ولمّا توهّم السائل من قوله عليه السلام: (إنّ إرادته تعالى للكفر إرادة حتم) سأل عنه ذلك وأجاب عليه السلام بأنّها ليست إرادة حتم توجب صدور الفعل عن العبد بمجرّده حتّى يلزم الجبر،
[١]. في المرآة:« لإعلام».
[٢]. في المرآة:« المؤثّرتين».
[٣]. أدرج هذه الحاشية المجلسي رحمه الله في مرآة العقول، ج ٢، ص ٢١٩.