الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٦٥١ - باب الجبر والقدر و الأمر بين الأمرين
والقَدَرِ مَسيرُنا ومُنقلبُنا ومُنصَرَفُنا؟ فقالله: «وتَظُنُأنّه كانَقضاءً حتماً وقدراً لازماً؟
إنّه لو كانَ كذلك لبَطَلَ الثوابُ والعقابُ والأمرُ والنهيُ والزجرُ من اللَّه، وسَقَطَ معنى الوعد والوعيد، فلم تَكُنْ لائمَةٌ للمذنِب ولا مَحمَدَةٌ للمحسن،
مقابلة فعل العبد، فبينهما فرق قد بيّنه عليه السلام كما يقتضيه علمه الثاقب ورأيه الصائب[١]. انتهى.
و الثاني: أنّه لو كان كذلك لبطل الأمر والنهي؛ لأنّهما عبارتان عن الإعلام بمصالح بعض الأفعال ومنافعها، وبمفاسد بعضها ومضارّها، يختار العبد ما فيه المصلحة والمنفعة، ويترك ما فيه المفسدة والمضرّة، وظاهر أنّ ذلك الإعلام في صورة الجبر وعدم تأثير الاختيار والإرادة سفه وعبث، تعالى اللَّه عن ذلك.
و الثالث: أنّه لو كان كذلك لبطل الزجر، وزواجر اللَّه تعالى بلاياه النازلة على العصاة بإزاء عصيانهم، وأحكامه في القصاص والحدود ونحو ذلك.
تقرير الدليل أنّ زجر المجبور بأحد المعاني المذكورة سفه وقبيح في نفسه، تعالى عنه.
و الرابع: أنّه سقط معنى الوعد والوعيد، أي المقصود من الوعد والوعيد من إتيان الحسنات وترك السيّئات؛ لأنّ ذلك لا يعقل من المجبور في أفعاله، فالوعد والوعيد سفه وعبث، تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً.
قوله: (فلم يكن لائمة للمذنب ولا محمدة للمحسن)
دليل خامس عليه متفرّع على الأدلّة الأربعة، يعني إذا سقط وبطل الثواب والعقاب، والأمر والنهي، والزجر والوعد والوعيد بسبب كون العبد مجبوراً في أفعاله، فلم يكن ولم يصحّ لائمة للمذنب، ولا محمدة للمحسن؛ لأنّ المحمدة هو الثناء على الجميل الاختياري، واللائمة هي ما يقابله من الذمّ على القبيح الاختياري وهي التثريب والتنديم، ومعلوم بديهة أنّه لا يستحقّهما المجبور.
[١]. نهج البلاغة، قصار الحكم، رقم ٤٢.