الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٥٣٦ - الحجّة الخامسة
ومصداقاتها، بل تكون في الحقيقة أحكاماً وأحوالًا لها لا لتلك الامور الانتزاعيّة نفسها؛ فإنّها كما عرفت مضمحلّة في البين قصدت بها حكايات مصداقاتها ومبادئ انتزاعها، يشهد بذلك الفطرة السليمة، والفطنة القويمة المستقيمة.
مقدّمة ثانية: أنّا نعلم بالضرورة والوجدان أنّ جميع الموجودات من حيث إنّها موجودة مشتركة في معنى واحد يحتاج الممكن منها في ذلك المعنى إلى علّة ومؤثّر وفاعل، ويستغني الواجب فيه بعينه عن العلّة والمؤثّر مطلقاً، والمنازع في ذلك مكابر مقتضى عقله، وذلك المعنى الواحد المتّصف بالحقيقة بالاشتراك بين جميع الموجودات من حيث إنّها موجود، وبالاحتياج إلى العلّة في الممكن، وبالاستغناء عنها في الواجب إمّا الوجود بالمعنى المصدري، أو مفهوم الموجود بالمعنى المعلوم الاعتباريين كما هو الظاهر بحسب ظاهر النظر، وإمّا أمر عيني يكون مبدءً لانتزاعهما ومصداقاً لصدقهما.
لا سبيل إلى الأوّل؛ لأنّ الوحدة والاشتراك والاحتياج والاستغناء حالات وصفات نفس أمريّة ثابتة في نفس الأمر لهذا المعنى، وقد مرّ في المقدّمة الاولى أنّ الامور الانتزاعيّة الاعتباريّة لا تتّصف[١] بالحالات والصفات النفس الأمريّة أصلًا باعتبار نفس ذواتها، وأنّ الأحكام والأحوال النفس الأمريّة الجارية عليها تكون[٢] في الحقيقة أحكاماً وأحوالًا لمصداقاتها ومبادئ انتزاعها، فهو أمر عيني يكون مبدءً لانتزاع الوجود، ومصداقاً لصدق الموجود، ومشتركاً بين جميع الموجودات بوجه ما؛ ضرورة أنّ الاشتراك بينها أيضاً من الصفات الثابتة لهذا المعنى على ما مرّ، وذلك الأمر العيني- المشترك بين جميع الموجودات من الواجب والممكنات الذي هو مبدأ انتزاع الوجود- لا يمكن أن يكون مغايراً لحقيقة
[١]. في النسخة:« لا يتّصف».
[٢]. في النسخة:« يكون».