الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٥٣ - (كتاب العقل والجهل)
وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ».
يا هشام، قد جَعَل اللَّهُ ذلك دليلًا على معرفته بأنّ لهم مدبِّراً، فقال: «وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ».
وقالَ: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ
وقوله: «وَ بَثَّ فِيها»[١] عطف على قوله: «فَأَحْيا» أي وانتشر فيها من كلّ نوع دابّة، وتصريفُ الرياح هو تغيّر جهاتها شرقاً وغرباً، وشمالًا وجنوباً وغير ذلك.
وقوله تعالى: «الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ» أي المقيم بينهما بلا إرادة واختيار، أو المسخّر للرياح يقلّبه في الجوّ بمشيّة اللَّه تعالى.
وقوله تعالى: «لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ»[٢]-[٣] أي دلائلَ وبراهين للمعارف الإلهيّة ولا سيّما للمدّعيات السالفة لقوم يتّصفون بكمال العقل الغالب على الوهم والطبيعة والعادة.
وقوله عليه السلام: (قد جعل اللَّه ذلك) أي المذكور في الآية دليلًا على معرفة بأنّ لهم مدبّراً خارجاً عن سلسلة الممكنات؛ لأنّ الناظر في هذه الامور، المتدبّر فيها يعلم أنّ لها وله صانعاً واجب الوجود بالذات، حكيماً قادراً مختاراً[٤] لا شريك له ولا نقص فيه.
وقوله عليه السلام: (فقال) أي في سورة النحل: «وَ سَخَّرَ لَكُمُ»[٥] أي هيّأَ لمنافعكم.
وقوله تعالى: «مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ»[٦] أي لا يعصون اللَّه ما أمرهم، وفيه دلالة على شعورهم وإرادتهم، واللام في قوله تعالى: «ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ»[٧] متعلّق بمحذوف تقديره:
[١]. تتمّة الآية السابقة.
[٢]. تتمّة الآية السابقة.
[٣]. البقرة( ٢): ١٦٤.
[٤]. في النسخة:« وله صانع ... حكيم قادر مختار».
[٥]. النحل( ١٦): ١٢.
[٦]. تتمّة الآية السابقة.
[٧]. غافر( ٤٠): ٦٧.