الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٥٢٢ - الحجّة الثالثة
قلت: كلامهم في هذا المقام مبنيّ على التسامح، يدلّ على ذلك ما ذكروه هناك وهو ظاهر لمن تأمّل فيه. ولعلّ مرادهم ما به التشخّص والامتياز في نظرنا وبحسبه لا ما بسببه يحصل التشخّص والامتياز في نفس الأمر، و [ما] يتميّز به نشأة وجود أحد الموجودين عن الآخر حقيقةً إنّما هو العلّة على ما صرّح به بعضهم.
فإن قلت: إنّ المفروض أنّ ما به امتياز نشأة «أ» مثلًا عن نشأة «ب» إنّما هو نفس حقيقة «أ» و «ب» وحينئذٍ لقائل أن يقول: إنّ ما به الامتياز لا يجب تقدّمه على الامتياز، وإنّما يجب لو كان سبباً له، فيكون الباء فيه للسببيّة وهو ممنوع، ولِمَ لا يجوز أن يكون مرتبة ما به الامتياز بعينه مرتبة الامتياز، فلا يكون الباء فيه للسببيّة بل للمصاحبة.
أقول: نحن نعلم بالضرورة أنّه لا بدّ أن يكون نشأة يجب تعيّن «أ» مثلًا فيها وبحسبها متميّزة مع قطع النظر عن خصوصيّه حقيقة «أ» وبدون خصوصها حتّى يكون مختصّة بتعيّن «أ» فيها، فإنّه لو كان تميّزها بنفس خصوصيّة «أ» كيف يتخصّص بوجوبٍ تعيّن «أ» فيها دون «ب» وكيف يتعيّن «أ» بحسبها وهو ظاهر، فلا يمكن أن يكون نشأة يجب فيها تعيّن «أ» متميّزة بنفس حقيقة «أ» وخصوصها؛ فافهم.
و إذا عرفت هذه المقدّمات نقول: إذا تعدّد الواجب بالذات في مرتبة من المراتب، لم يكن هناك ما تميّز نشأة وجود أحدهما ووجوبه عن نشأة وجود الآخر مطلقاً؛ فإنّه لا تتميّز نشأة وجود أحد الواجبين عن نشأة وجود الآخر باختلاف الحقيقة والهويّة؛ لما مرّ من أنّ مرتبة تعيّن الحقيقة بعينه مرتبة الوجود، فكيف يكون اختلاف الحقيقة موجباً لتعدّد الوجود، بل نقول: إنّ نشأة وجود أحدهما يجب أن تكون[١] متميّزة بدون خصوصيّته ومع قطع النظر عن حقيقته ليكون وجوب تعيّن حقيقته مختصّة بهذه النشأة المعيّنة دون نشأة اخرى، وإلّا لم يتصوّر ذلك بالضرورة على ما مرّ، ولا يمكن أن تتميّز نشأة وجود أحدهما عن نشأة وجود
[١]. في النسخة:« يكون».