الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ٢٣٤ - كتاب فضل العلم
يَغْنَ فيه يوماً سالماً، بكَّرَ فاستَكْثَرَ، ما قَلَّ منه خيرٌ ممّا كَثُرَ، حتّى إذا ارتوى من آجِنٍ واكْتَنَزَ من غير طائل جَلَسَ بين الناس قاضياً ضامناً لتخليص ما التبس على غيره،
العقلي والتفكّر والتدبّر في الامور وعواقبها، فهؤلاء لعدم تميزهم يسمّونه عالماً، ومن له أدنى تميز يعدّه من أجهل الجهّال.
وقوله عليه السلام: (ولم يَغْنَ فيه يوماً سالماً) قال في النهاية الأثيريّة: «في حديث عليّ: ورجل سمّاه الناس عالماً، ولم يغن في العلم يوماً سالماً أي لم يلبث في العلم يوماً تامّاً، من قولك:
غَنيْتُ بالمكان [أغني]، إذا أقمتَ فيه[١]» انتهى.
وفي نسخة: «لم يعنِ» بالمهملة أي لم يهتمّ في العلم يوماً تامّاً، بل يصرف أوقاته على قَمش الجهل والاشتغال بالفتنة.
وقوله عليه السلام: (بكّر فاستكثر) التبكير: الإتيان في أوّل اليوم، تقول: استكثرتُ من الشيء، إذا أكثرتَ منه، يعني بادر وسارع كلّ يوم إلى تحصيل الجهالات وجمعها، فاستكثر وحصّل كثيراً منها.
وقوله عليه السلام: (ما قلّ منه خيرٌ ممّا كثر) جملة معترضة، أي ما قلّ صدوره من ذلك الرجل، ولم يهتمّ به كسائر أفعاله أيّ فعلٍ كان خير ممّا كثر صدوره منه، واهتمّ به من قَمش الجهل والاشتغال بالفتنة، فعدمه خير من وجوده.
وقوله عليه السلام: (حتّى إذا ارتوى من آجِنٍ) متعلّق بقوله: «بكّر» و «استكثر» والارتواء: الشرب من الماء بقدر الحاجة. والآجن: الماء المتغيّر الطعم واللون. شبّه الجهالاتِ بالآجن، وقَمشَها وجمعَها بقدر يكفيه باعتقاده بالارتواء.
وقوله عليه السلام: (واكتنز) أي اجتمع وامتلأ (من غير طائل) أي من غير نافع، يعني ممّا لا نفع فيه.
وقوله عليه السلام: (جلس بين الناس قاضياً) أي حاكماً ماضياً نافذاً حكمه.
وقوله عليه السلام: (ضامناً لتخليص ما التبس على غيره) أي ضامناً لتخليص الحقّ الملتبس
[١]. النهاية، ج ٣، ص ٣٩٢( غنا).