الکشف الوافي في شرح أصول الکافي - الشیرازي، محمد هادي - الصفحة ١٨١ - كتاب فضل العلم
وقال عليه السلام: «أوحى اللَّهُ إلى داودَ عليه السلام: لا تجعَلْ بيني وبينك عالماً مفتوناً بالدنيا، فيَصُدَّك عن طريق محبّتي، فإنَّ اولئك قُطّاعُ طريقِ عبادي المريدين، إنَّ أدنى ما أنا صانِعٌ بهم أن أنزِعَ حَلاوَةَ مُناجاتي عن قلوبهم».
٥. عليٌّ، عن أبيه، عن النوفليّ، عن السكونيّ، عن أبي عبداللَّه عليه السلام، قال: «قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: الفقهاءُ امناءُ الرسلِ ما لم يَدخُلوا في الدنيا، قيل: يا رسول اللَّه، وما دُخولُهم
وقوله: (قال عليه السلام) إلخ استيناف بياني لقوله: (إذا رأيتم العالم محبّاً لدنياه) إلخ.
وقوله تعالى: (لا تَجْعَلْ بَيني وبينَكَ عالماً مفتوناً بالدنيا) أي لا تصاحبه، ولا تواخه فيَّ، ولا تستنصحه في دينك، والمفتون بالدنيا هو المُعجَب بها.
ويحتمل أن يكون هذا حكماً للُامّة وإن كان المخاطب داوود عليه السلام، أي لا تجعل بيني وبينك وسيلة إلى حصول معرفتي ومعرفة ديني وشريعتي عالماً معجباً بالدنيا.
والحاصل أنّه يجب للُامّة أن لا يأخذوا المعارف الإلهيّة والأحكام الدينيّة عن العالم المفتون بالدنيا.
وقوله: (فيَصُدَّك عن طريق محبّتي) أي يمنعك عن طريق محبّتي بالترغيب إلى الدنيا، وتهييج الشهوة إلى طلبها، وتشييد محبّتها في القلب.
وقوله: (فإنّ اولئك قُطّاعُ طريقِ عبادي المريدين) أي المريدين لما عندي من القرب والثواب؛ لأنّهم يميلون من الرغبة إلى قربه تعالى ومحبّته، أو من الرغبة إلى الآخرة ونعيم الجنّة إلى الرغبة في الدنيا وأسبابها.
وقوله: (إنّ أدنى ما أنا صانع بهم) أي أقلّ ما اجزيهم بسبب افتتانهم بالدنيا (أن أنزع حلاوة مناجاتي) أي الحكايةِ معي والدعاءِ والذكرِ وعرضِ الحاجات عليَّ عن قلبه، وذلك لشغل قلبه بالدنيا عمّن يناجيه، فلا يدرك حلاوة مناجاته، أو لأنّ إدراكه لكيفيّة المناجاة وطعمها مشوب بإدراكه لكيفيّة نيل الدنيا وطعمه، وهي مُرّة وإن وافقت ذائقته، فلا يخلص له حلاوة المناجاة مع ربّه، فهو تعالى بتركه على افتتانه ينزع عن قلبه حلاوة المناجاة.