منهاج الصالحين - الوحيد الخراساني، الشيخ حسين - الصفحة ٢٢ - الطريق الثاني
فيها، فتجيش بالعاطفة على فراخها، تحافظ عليها و تحميها، و تجعل صدرها درعا يقيها، و تبقى هذه الحالة العاطفية طوال المدّة التي تحتاج إليها حتّى تستعدّ لإدامة الحياة بنفسها.
ألا يكفينا التأمّل في بيضة واحدة لأن يهدينا إلى الذي خَلَقَ فَسَوّى* وَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى [١]، و من هنا
قال الإمام (عليه السلام): (أ ترى لها مدبّرا؟ قال: فأطرق مليّا، ثمّ قال:
أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، و أنّك إمام و حجّة على خلقه، و أنا تائب ممّا كنت فيه).
* إنّ العالم القدير الحكيم، الذي ربّى الحبّة في ظلمة التربة، و ربّى الفرخ في ظلمة البيضة، كلّ واحد لأجل هدف و غرض معيّن، هو الذي ربّى نطفة الإنسان في ظلمات البطن و الرحم، من أجل هدف و غرض معيّن، تلك النطفة التي كانت في أوّلها ذرّة لا يدركها الطرف، فاقدة لجميع الأعضاء و القوى الإنسانية، فجهّزها بأنواع الأجهزة للحياة بعد الولادة، فقد جهّزها- على سبيل المثال- بعظام على مختلف أشكالها و مقاديرها تتناسب مع وظائفها، و أضاء مشعل الإدراك فيه بواسطة دماغه بعجائب صنعة تتحيّر فيها العقول، و أبقى على حرارة الحياة فيه بنبضات القلب التي لا يفتر عنها ليلا و نهارا و يفوق عددها الملايين في كلّ سنة.
إنّ التأمّل في تركيب أبسط عضو من بدن الإنسان يكفي للإيمان بتقدير الخالق العزيز العليم، فالأسنان- مثلا- خلقت في ثلاثة أقسام: الثنايا في المقدّمة، ثمّ الأنياب، ثمّ الطواحن الصغار و الكبار، فما ذا كان سيحدث لو خلقت الطواحن مقدّمة على الثنايا و الأنياب، و كانت هذه في موضع الطواحن، من جهة تقطيع الطعام و مضغه، و من جهة المنظر من حيث القبح و الجمال؟!
[١] سورة الأعلى: ٢ و ٣.