منهاج الصالحين - الوحيد الخراساني، الشيخ حسين - الصفحة ١٠٨ - معجزة التربية العملية بالقرآن
حاكم البصرة، حين قد بلغه أنه دعي إلى وليمة ثريّ من أهلها فأجاب إليها، فكتب له:
«أمّا بعد يا ابن حنيف، فقد بلغني أنّ رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة، فأسرعت إليها، تستطاب لك الألوان، و تنقل إليك الجفان! و ما ظننت أنّك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفوّ، و غنيّهم مدعوّ، فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم، فما اشتبه عليك علمه فالفظه، و ما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه.
ألا و إنّ لكلّ مأموم إماما يقتدي به، و يستضيء بنور علمه.
ألا و إنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، و من طعمه بقرصيه.
ألا و إنّكم لا تقدرون على ذلك، و لكن أعينوني بورع و اجتهاد، و عفّة و سداد، فو اللّه ما كنزت من دنياكم تبرا، و لا ادّخرت من غنائمها وفرا، و لا أعددت لبالي ثوبي طمرا، [و لا حزت من أرضها شبرا، و لا أخذت منه إلّا كقوت أتان دبرة، و لهي في عيني أو هى من عفصة مقرة]». إلى أن قال: «و لو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل، و لباب هذا القمح، و نسائج هذا القزّ، و لكن هيهات أن يغلبني هواي و يقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة، و لعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص و لا عهد له بالشبع، ...»
[١]. إنّ الحكومة الإسلامية تتجلّى في مرآة وجود حاكم كان مركز حكمه بالكوفة، و كان يمنعه احتمال وجود من لا عهد له بالشبع بالحجاز أو اليمامة من أن يمدّ يده إلى لذيذ الطعام، و لا أعدّ لبالي ثوبه طمرا، و لا حاز من أرض الدّنيا شبرا، و هكذا كان قوته و ملبسه و مسكنه في الدّنيا، لئلا يكون أحسن معيشة من أفقر أفراد رعيته.
لقد طبّق (عليه السلام) العدالة في أطراف مملكته، بحيث أنه لمّا رأى درعه عند يهودي،
[١] نهج البلاغة: الرسالة رقم ٤٥.