منهاج الصالحين - الوحيد الخراساني، الشيخ حسين - الصفحة ٤٢١ - ولاية عهده
و قد احتال المأمون هذه الحيلة لجهات شتّى:
منها: إطفاء أنوار الفضائل التي كانت مشرقة من شمس الضحى في مدينة الرسول، التي كانت مزار العامّ و الخاصّ، فكان المأمول و المسئول لهم بعد زيارة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) زيارة عالم آل محمّد صلّى اللّه عليهم، و لم يقدر أن يحبسه و يضيق عليه كما فعل هارون مع أبيه موسى بن جعفر (عليهما السلام)، لتبدّل الظروف و الأجواء، فأراد تبعيده و حبسه تحت إشرافه، و يظهر هذا من منعه أن يأخذ طريق الكوفة و قم، لئلا يلتقي مع شيعته في تلك البلاد.
و منها: أن يسقطه عن أعين الناس بتقليده ولاية عهده حتّى يغطي زهده في الدّنيا و استغراقه في عبادة اللّه.
و منها: أن يزيل عار قتل أخيه الأمين طلبا للملك بإظهار زهده في الخلافة بتقليدها للإمام (عليه السلام).
و منها: أن يمنع من خروج العلويّين عليه في أكناف البلاد، و يستريح منهم بهذه الوسيلة.
و لا مجال لبسط الكلام في المقام، و نقتصر على ما جرى بينه و بين الإمام (عليه السلام) بما رواه الصدوق عن إبراهيم بن تاتانة، و هو من مشايخه الذين ترضى عنهم و اعتمد عليه في الفقيه، عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن أبي الصلت الهروي الثقة، قال: إنّ المأمون قال للرضا (عليه السلام): يا ابن رسول اللّه قد عرفت علمك و فضلك و زهدك و ورعك و عبادتك و أراك أحقّ بالخلافة منّي، فقال الرضا (عليه السلام):
بالعبودية للّه عزّ و جلّ أفتخر و بالزهد في الدنيا أرجو النجاة من شرّ الدّنيا، و بالورع عن المحارم أرجو الفوز بالمغانم، و بالتواضع في الدّنيا أرجو الرفعة عند اللّه عزّ و جلّ، فقال له المأمون: فإنّي قد رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة و أجعلها