منهاج الصالحين - الوحيد الخراساني، الشيخ حسين - الصفحة ٥٦ - الجهة الثانية
الجهة الثانية:
إنّ الإنسان بفطرته يبحث عن صانعه و خالقه، يريد أن يعرف من هو الذي أوجده بعد أن لم يكن، و أعطاه هذه الجوارح و الأعضاء و القوى وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً [١]، و أنعم عليه بما لا يعدّ و لا يحصى وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللّهِ لا تُحْصُوها [٢].
و يريد أن يعرف هذا المنعم الحقيقي، ليقوم بوظيفته العقلية، و هي شكر المنعم الحقيقي.
و من ناحية أخرى يدرك الإنسان أنّ اللّه تعالى- الذي هو خالق الحسّ و المحسوس، و الوهم و الموهوم، و العقل و المعقول، السّبوح القدّوس عن جميع النقائص و القبائح، الذي لا يتناهى جماله و كماله- أعظم و أعلى و أجلّ من أن يكون طرفا لخطاب مخلوق مملوء بالجهل و الخطأ و الهوى، فيجيبه مباشرة على أسئلته، و يوجّهه إلى ما يجب و يحرم عليه في أيّام حياته.
فلا بدّ من وجود واسطة بين اللّه تعالى و بين خلقه، له صورة الإنسان و صفاته ليتعامل مع الناس، و له عقل منزّه عن الخطأ، و نفس مقدّسة عن الهوى، و سيرة ربّانية، ليكون- على وفق قانون تناسب الفاعل و القابل- أهلا لتنوّره بنور الوحي، و لتلقي الهداية و المعرفة من اللّه تعالى، فيفتح أبوابها للبشر، و ينقذ الإنسان من تفريطه في تعطيل العقل عن معرفة اللّه، و من إفراطه في تشبيه الحقّ بالخلق، و يهديه إلى الدين القيّم و الصراط المستقيم وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا
[١] سورة لقمان: ٢٠.
[٢] سورة إبراهيم: ٣٤.