منهاج الصالحين - الوحيد الخراساني، الشيخ حسين - الصفحة ٥٢٩ - شيعة الأئمّة الاثني عشر
فقال: يا أبا عبد اللّه ليس العلم بالتعلّم، إنّما هو نور يقع في قلب من يريد اللّه تبارك و تعالى أن يهديه، فإن أردت العلم فاطلب أوّلا في نفسك حقيقة العبودية، و اطلب العلم باستعماله، و استفهم اللّه يفهمك.
قلت: يا شريف، فقال: قل يا أبا عبد اللّه.
قلت: يا أبا عبد اللّه ما حقيقة العبودية؟ قال: ثلاثة أشياء: أن لا يريد العبد لنفسه فيما خوّله اللّه ملكا، لأنّ العبيد لا يكون لهم ملك، يرون المال مال اللّه يضعونه حيث أمرهم اللّه به، و لا يدبّر العبد لنفسه تدبيرا، و جملة اشتغاله فيما أمره تعالى به و نهاه عنه، فإذا لم ير العبد لنفسه فيما خوّله اللّه تعالى ملكا، هان عليه الإنفاق فيما أمره اللّه تعالى أن ينفق فيه، و إذا فوّض العبد تدبير نفسه على مدبّره، هانت عليه مصائب الدّنيا، و إذا اشتغل العبد بما أمره اللّه تعالى و نهاه، لا يتفرّغ منهما إلى المراء و المباهاة مع الناس.
فإذا أكرم اللّه العبد بهذه الثلاث هانت عليه الدّنيا، و إبليس، و الخلق، و لا يطلب الدّنيا تكاثرا و تفاخرا، و لا يطلب ما عند الناس عزّا و علوا، و لا يدع أيّامه باطلا، فهذا أوّل درجة التقى، قال اللّه تبارك و تعالى: تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [١].
قلت: يا أبا عبد اللّه أوصني.
قال: أوصيك بتسعة أشياء فإنّها وصيّتي لمريدي الطريق إلى اللّه تعالى، و اللّه أسأل أن يوفّقك لاستعمالها. ثلاثة منها في رياضة النفس، و ثلاثة منها في الحلم، و ثلاثة منها في العلم، فاحفظها و إيّاك و التهاون بها، قال عنوان: ففرّغت قلبي له.
فقال: أمّا اللواتي في الرياضة: فإيّاك أن تأكل ما لا تشتهيه فإنه يورث الحماقة
[١] سورة القصص: ٨٣.