منهاج الصالحين - الوحيد الخراساني، الشيخ حسين - الصفحة ٥٢٧ - شيعة الأئمّة الاثني عشر
عقله، أو يكون مع عقله على هواه؟ و كيف محبّته للرئاسات الباطلة و زهده فيها، فإنّ في الناس من خسر الدّنيا و الآخرة بترك الدّنيا للدّنيا، و يرى أنّ لذّة الرئاسة الباطلة أفضل من لذّة الأموال و النعم المباحة المحلّلة، فيترك ذلك أجمع طلبا للرئاسة، حتّى إذا قيل له اتّق اللّه، أخذته العزّة بالإثم، فحسبه جهنّم و لبئس المهاد!
فهو يخبط خبط عشواء، يقوده أوّل باطل إلى أبعد غايات الخسارة، و يمدّه ربّه بعد طلبه لما لا يقدر عليه في طغيانه! فهو يحلّ ما حرّم اللّه، و يحرّم ما أحلّ اللّه، لا يبالي بما فات من دينه إذا سلمت له رئاسته التي قد يتّقى من أجلها، فأولئك الذين غضب اللّه عليهم، و لعنهم، و أعدّ لهم عذابا مهينا.
و لكن الرجل كلّ الرجل نعم الرجل، هو الذي جعل هواه تبعا لأمر اللّه، و قواه مبذولة في رضى اللّه، يرى الذلّ مع الحقّ أقرب إلى عزّ الأبد من العزّ في الباطل، و يعلم أنّ قليل ما يحتمله من ضرائها يؤديه إلى دوام النعيم في دار لا تبيد و لا تنفد، و أنّ كثير ما يلحقه من سرّائها إن اتّبع هواه يؤديه إلى عذاب لا انقطاع له و لا زوال ..
فذلكم الرجل نعم الرجل، فبه فتمسّكوا، و بسنّته فاقتدوا، و إلى ربّكم به فتوسّلوا، فإنه لا تردّ له دعوة، و لا تخيب له طلبة»
[١]. بيّن (عليه السلام) أنّ معيار كمال الإنسان ليس الأقوال و الأفعال الخاضعة، و ليس صرف النظر عن شهوة المال و البطن و نحوها، بل ميزان كمال الإنسان إنّما هو العقل المصفّى من كدورة الهوى ليكون منشأ الصلاح و الإصلاح، و النفس التابعة لأوامر اللّه تعالى و نواهيه، بحيث لا تنخدع بأيّة شهوة حتّى شهوة الجاه و المقام، و تعرض عن العزّ مع الباطل، و يختار الذلّة مع الحقّ.
[١] الاحتجاج للطبرسي ج ٢ ص ٥٢.