منهاج الصالحين - الوحيد الخراساني، الشيخ حسين - الصفحة ١٠٢ - معجزة التربية العملية بالقرآن
هذه هي التربية التي أزالت الفوارق القومية الراسخة في النفوس، و منها التعصّب القومي بين العرب و الفرس و غيرهم، فعند ما
اعترض بعضهم على جلوس سلمان الفارسي و أمثاله في مجلس النبي إلى جانب شخصيات قبائل العرب، و طلبوا من النبي أن يجعل لهم مجلسا خاصّا، أجابهم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بقوله تعالى: وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَ لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَ اتَّبَعَ هَواهُ وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً [١]، فصار سلمان أميرا على المدائن، و كان عطاؤه خمسة آلاف، و إذا خرج عطاؤه تصدّق به، و كان يأكل من عمل يده، و كانت له عباءة يفرش بعضها و يلبس بعضها.
[٢] كما استطاعت أن تزيل فوارق العرق و اللون،
فصار بلال الغلام الأسود المؤذّن الخاصّ للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و صاحبه المقرّب، و عند ما اعترض بعض زعماء قريش قائلا: (أما وجد محمّد غير هذا الغراب الأسود مؤذّنا!) [٣]، كان جواب النبي لهم بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
[٤]. و قد غرس القرآن دوحة جذورها العلم و المعرفة، و جذعها الاعتقاد بالمبدإ و المعاد، و فروعها الملكات الحميدة و الأخلاق الفاضلة، و أزهارها التقوى و الورع، و ثمارها الأقوال المحكمة و الأفعال المحمودة أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ
[١] سورة الكهف: ٢٨، مجمع البيان ج ٦ ص ٣٣٧.
[٢] بحار الأنوار ج ٢٢ ص ٣٩١.
[٣] مجمع البيان ج ٩ ص ٢٢٦ في تفسير الآية المذكورة.
[٤] سورة الحجرات: ١٣.