منهاج الصالحين - الوحيد الخراساني، الشيخ حسين - الصفحة ٢٥٨ - عبادته
عبادته (عليه السلام)
كان (عليه السلام) أعبد أهل زمانه،
و قد دخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية، فقال له: صف لي عليّا، فقال: أو تعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: لا أعفيك، قال:
أمّا إذا لا بدّ، فإنه كان بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، و يحكم عدلا، يتفجّر العلم من جوانبه، و تنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدّنيا و زهرتها، و يستأنس بالليل و ظلمته، كان و اللّه غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلّب كفّه، و يخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، و من الطعام ما جشب، كان و اللّه كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، و يجيبنا إذا سألناه، و كان مع تقرّبه إلينا و قربه منّا لا نكلّمه هيبة له، فإن تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظّم أهل الدين، و يحبّ المساكين، لا يطمع القويّ في باطله، و لا ييأس الضعيف من عدله.
فأشهد باللّه لقد رأيته في بعض مواقفه، و قد أرخى الليل سدوله، و غارت نجومه، يميل في محرابه قابضا على لحيته، يتململ تململ السليم، و يبكي بكاء الحزين، فكأنّي أسمعه الآن، و هو يقول: يا ربّنا، يا ربّنا، يتضرّع إليه، ثمّ يقول للدّنيا: إليّ تغرّرت، إليّ تشوّقت؟! هيهات! هيهات! غرّي غيري، قد أبنتك ثلاثا، فعمرك قصير، و مجلسك حقير، و خطرك يسير، آه آه! من قلّة الزاد و بعد السفر و وحشة الطريق.
فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها، و جعل ينشفها بكمّه، و قد اختنق القوم بالبكاء، فقال: كذا كان أبو الحسن (رحمه الله)
[١].
[١] حلية الأولياء ج ١ ص ٨٤، ذخائر العقبى ص ١٠٠، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج ١٨