الحاكمية في الإسلام - الخلخالي، السيد محمد مهدي - الصفحة ٣٩٤ - ٣- كلام الإمام الصادق
إنّ هذا الحديث يدل- كذلك- على لزوم «الفقاهة» في القاضي المنصوب، و إن عبّر عن ذلك ب «يعلم شيئا من قضايانا» لأنّ علوم الأئمة الطاهرين كالبحار، كان قليلها كثيرا، و في نظر العرف لا يصدق عنوان «شيء من البحر» على القطرة بل على «بحيرة» يقال: «هذا شيء من البحر» و مثل هذا يجب أن يكون مجتهدا، عارفا بالأحكام الالهية من طريق المصادر الأصيلة، أي: الكتاب و السنة، حتى يصدق في شأنه عرفا أنه: «عالم بالأحكام الإسلامية» [١].
[١] حديث أبي خديجة قابل للاعتماد عليه من جهة السند إلّا أنه موضع اشكال من حيث الدلالة على لزوم الاجتهاد في القاضي المنصوب من النواحي التالية:
أ- إن من المحتمل بقوة أن موضوع الحديث هو (قاضي التحكيم) لا (القاضي المنصوب) لأنّ الإمام ٧ أصدر الأمر بنصب القاضي بعد افتراض انتخاب المتنازعين له، لا أنه نصب القاضي ابتداء تحت شرائط خاصة، لأن قوله ٧: «فاني قد جعلته قاضيا» متفرع على: «فاجعلوه قاضيا».
و هذا التفريع مترتب على انتخاب المتخاصمين لا نصب الإمام ٧- هكذا أفاد السيد الاستاذ (دام ظله) في مباني التكملة ١: ٨-.
ب- إنّ عبارة «يعلم شيئا من قضايانا» التي جعلت شرطا للقاضي ليست دليلا على العلم الاجتهادي لان «العلم» مطلق يشمل الاجتهادي و التقليدي، و من كان عالما بالقضايا و المسائل القضائية صدق في شأنه أنه: عارف ببعض علوم الأئمة، سواء علم بذلك عن طريق الاجتهاد أو عن طريق التقليد.
و من هذا نستنتج أن موضوع الرواية هو (قاضي التحكيم) إذ لا يشترط فيه: الاجتهاد- كتاب القضاء للآشتياني: ٧- هذا.
و لكن يمكن أن يقال في جواب الإشكال الأول: أن الإمام ٧ أمر بقوله أولا: «فاجعلوه بينكم» أن ينتخبوا للقضاء من كان عارفا بأحكامهم، و لم يترك اختياره بيد المتخاصمين، و لم يقل: «إذا جعلتموه بينكم»، بل بدأ أمره بلزوم انتخاب فريق خاص «رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا».
و من هذا الكلام يستفاد بوضوح ان الإمام كان يعني اشخاصا معيّنين يجب اختيارهم دون غيرهم بحيث لا يحق للناس انتخاب غيرهم.
و هذا بنفسه يعطي معنى لزوم الشرط، ثم إن الإمام ٧ بيّن علّة هذا الشرط لهؤلاء الاشخاص بأنه:
جعلهم قضاة، فالفاء في هذه العبارة: «فانّي جعلته» فاء التعليل، لا فاء التفريع، يعنى أنها تبيّن علة الحكم، لا أثر الانتخاب و خاصيّته.
و هذا نظير قول القائل: «ارجعوا إلى فلان في أموركم فإني قد جعلته وكيلا» فإن الوكالة- في المثال- علة للرجوع إليه، لا انها متفرعة على رجوع الناس إليه، أو يقال «اعط هذا المال إلى فلان فانه ابني» لا إشكال في أن البنوّة سابقة على الاعطاء له و علة الرجوع إليه، لا مترتبة عليه.
بناء على ذلك تكون رواية أبي خديجة دليلا على نصب القاضي المجتهد، و دليلا على لزوم اختيار الفرد الصالح ذي الأهليّة للقضاء، و هو المنصوبيّة من قبل ولي الأمر (الإمام ٧.
و أما الإشكال الثاني- و هو أن العلم يشمل العلم التقليدي أيضا- فليس بمقبول، لأنه لا يقال للمقلد: إنه عالم بالأحكام، كما أنه لا يقال لمن يقلد طبيبا- في بعض المسائل و القضايا الطبيّة- إنه عالم بالطّب.
نعم مقدمات الاجتهاد تزداد و تنقص بمرور الزمان، و لكن على أية حال لا يطلق صفة «العلم و العالم» لا سيما إذا أضيفا إلى «فن من الفنون» أو «علم من العلوم» أو «دين من الأديان» إلّا على معنى المعرفة الاستدلالية، و لا تشمل المعرفة التقليدية، و لهذا يتساوى مفهوم «العالم الديني» و «العالم بالهندسة» و «العالم بالطب» من حيث صدق «العلم» في جميع هذه الموارد على العلم الاستدلالي عرفا، و يكون المراد فيها العلم بهذه المعارف، و إن كان علمه بصورة الاعتقاد الظني، و لكن كان عن طريق الاجتهاد و الاستنباط.
و يقول المرحوم المحقق الآشتياني المتوفي ١٣١٨ (في كتاب القضاء: ٤) حول اتفاق العلماء على لزوم شرط الفقاهة و الاجتهاد في القاضي المنصوب و رأى المخالفين: «اعلم أن الإذن عن الأئمة في القضاء لمن جمع شرائط الافتاء معلوم بحيث لا يعتريه ريب، و يدل عليه- مضافا إلى الأخبار الكثيرة المتقدمة إلى بعض منها الاشارة- الإجماع بقسميه محققا و منقولا، فهذا مما لا إشكال فيه، إنما الكلام فيما قد نقل عن بعض أفاضل المتأخرين و مال إليه بعض مشايخنا من جواز القضاء للمقلد».-