الهداية في الأصول - الصافي الإصفهاني، الشيخ حسن - الصفحة ٢٢ - الجهة الثالثة في حرمة الفعل المتجرّى به
و
التحقيق[١]أنّ التجرّي موجب لعروض عنوان قبيح على الفعل المتجرّى به، وهو
عنوان الهتك والتعدّي والظلم على المولى، والخروج عن زيّ الرقّيّة ووظيفة
العبوديّة.
و بيان ذلك يحتاج إلى تقديم مقدّمة، وهي: أنّه اختلف في الحسن والقبح وهل
أنّهما من الأمور الواقعيّة التي لا تختلف ولا تتغيّر بالعلم بها أو الجهل
بها والإرادة والاختيار وعدمه، نظير الخواصّ والآثار المترتّبة على الأشياء
التي لا تتغيّر بذلك، أو أنّهما ممّا يدركه العقل ويختلفان بالوجوه
والاعتبارات، فربّ فعل بعنوان واعتبار يكون حسنا، كضرب اليتيم تأديبا،
وبعنوان واعتبار آخر يكون قبيحا، كضربه ظلما، أو أنّهما أمران تابعان
للأوامر والنواهي، فما أمر به المولى فهو حسن، وما نهى عنه فهو قبيح، ولا
طريق للعقل إلى إدراكهما ولا أنّهما أمران ذاتيّان واقعيّان للأشياء؟أقوال.
لا يمكن الالتزام بالأوّل منها، فإنّه خلاف الوجدان، ضرورة أنّا نرى
بالوجدان أنّ الفعل الواجد-كالكذب-يختلف باختلاف الوجوه والاعتبارات حسنا
وقبحا.
و هكذا الثالث منها، بل هو أشنع من الأوّل، لاستلزامه سدّ باب تصديق
الأنبياء وتشريع الأحكام، إذ لو لم يكونا من مدركات العقل فأيّ دليل لنا
لوجوب إطاعة النبيّ وتصديقه؟ فإن قال القائل بهذا القول السخيف: إنّ ما
وعده اللّه-تبارك وتعالى- وأوعده من ثواب الجنان للمصدّقين والمطيعين،
وعقاب النيران للمكذّبين [١]أقول: الحقّ مع المنكر للقبح الفعلي وأنّ
تلك العناوين من الظلم والتمرّد والطغيان على المولى ممّا لا واقعيّة له،
ولا تنطبق تلك العناوين على التجرّي، لأنّه لا أمر للمولى فيه.
(م).