الهداية في الأصول - الصافي الإصفهاني، الشيخ حسن - الصفحة ١٠٢ - و نعني بالسببيّة سببيّة الأمارة لحدوث المصلحة، وهي تتصوّر على أقسام ثلاثة
لا يوجب
حدوث مصلحة أصلا لا في المؤدّى ولا في السلوك: فالتعبّد بالأمارة -مع
تمكّن المكلّف من الوصول إلى الواقعيّات على ما هي عليها وعلم الشارع بأنّه
يصل إليها خارجا لو لم يتعبّده بالأمارة غير العلميّة-و إن كان موجبا
لتفويت المصالح الواقعيّة والإلقاء في المفاسد الواقعيّة أحيانا، ويكون
لهذا الإشكال وجه بحسب الظاهر، إلاّ أنّ التحقيق أنّه مندفع على هذا المبنى
أيضا، فإنّ تحصيل العلم بالواقعيّات، فيه عسر نوعيّ ينافي غرض التسهيل على
المكلّفين، وكون الشريعة شريعة سهلة سمحاء، ففوات المصلحة والوقوع في
المفسدة بواسطة التعبّد بالأمارة لا يزاحم المصلحة النوعيّة التي هي عدم
التشديد على المكلّفين، والتسهيل عليهم، فللشارع التعبّد بالأمارة لمكان
العسر في تحصيل العلم على نوع الناس، أي العسر الّذي لا يريد الشارع إيقاع
المكلّفين فيه، مراعاة لهذه المصلحة النوعيّة، ونظيره كثير في أحكام
الشريعة. منها: مسألة نجاسة الحديد، التي رفعت-بمقتضى بعض الأخبار[١]- عن الأمّة، لمكان العسر الشديد في الاجتناب عنه، فإنّه محتاج إليه غالبا.
و منها: مسألة السواك، فإنّه روي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال: «لو لا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم بالسواك»[٢]و
غير ذلك من الموارد التي رفع التكليف-الّذي فيه عسر لنوع الناس-فيها ولو
كان موجبا لتفويت المصلحة أو الإيقاع في المفسدة، لمعارضتها لما هو أقوى
منها، وهي مصلحة التسهيل، ومن الضروري أنّه لا قبح في مثله أصلا، فليكن
التعبّد بالأمارة حال انفتاح باب العلم -مع علم الشارع بأنّ المكلّف يصل
إلى الواقع لولاه-من هذا القبيل. هذا مضافا
[١]انظر الفقيه ١: ٣٨-١٤٠، والتهذيب ١: ٣٤٦-١٠١٢ و١٠١٣، والاستبصار ١: ٩٥-٣٠٨ و٣٠٩، والوسائل ٣: ٢٨٥، الباب ٨٣ من أبواب النجاسات، الحديث ١ و٢.
[٢]الفقيه ١: ٣٤-١٢٣، الوسائل ٢: ١٧، الباب ٣ من أبواب السواك، الحديث ٤.