الهداية في الأصول - الصافي الإصفهاني، الشيخ حسن - الصفحة ٩ - أمّا الجهة الأولى
شيء
مثلا ولم يأت به، ويؤاخذه بأنّك لم ما أتيت بما قطعت بوجوبه؟ وليعلم أنّ
الحجّيّة بهذا المعنى ليست من لوازم القطع ومعلولاته، ولا ممّا ثبت ببناء
العقلاء-ضرورة أنّها ثابتة عند حصول القطع ولو لم يكن في العالم غير القاطع
أحد من العقلاء. مضافا إلى أنّ بناءات العقلاء كلّها راجعة إلى حفظ النظام
وبقاء النوع-كحرمة القتل والظلم وغير ذلك ممّا له دخل في نظام العالم- لا
إلى ما لا دخل له بذلك ولا ربط له به، كوجوب الصلاة وغيره من الأحكام
الشرعيّة وغير الشرعيّة التي تكون كذلك، ومن ذلك صحّة المؤاخذة والاحتجاج
من المولى على عبده، وعدمها، فإنّها لا ربط لها بالنظام أصلا-و لا ممّا حكم
به العقل، فإنّ البعث والزجر واعتبار اللابدّيّة ليست من شئون العقل، بل
شأنه ليس إلاّ الإدراك والتمييز، بل الصحيح أن يقال: إنّ صحّة الاحتجاج
تكون ممّا يدركها العقل، وإطلاق الحكم في هذا المورد بل في كلّ مورد، على
ما يدركه العقل مبنيّ على التسامح، كما يقولون: العقل يحكم باستحالة
النقيضين، فإنّ حكمه بها لا معنى له إلاّ إدراكه لها.
نعم، حيث إنّ حبّ النّفس جبلّيّ للإنسان، بل لكلّ حيوان، وهكذا الفرار عن
الضرر والعقاب فطريّ له ومقتضى طبيعته، فإذا أدرك العقل صحّة مؤاخذة المولى
على مخالفة العبد القاطع قطعه، فيبعثه حبّه لنفسه على العمل على طبق قطعه،
ويلزمه على ذلك، فرارا عن العذاب الأليم الأخروي الّذي هو أعظم بمراتب من
العقاب الدنيويّ.
فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّ الحجّيّة ليست إلاّ ممّا يدركه العقل، والبعث والزجر من شئون العاقل لا العقل.
هذا كلّه في الجهة الثانية، ونتكلّم في الجهة الثالثة عند تعرّض صاحب الكفاية لها إن شاء اللّه.