الهداية في الأصول - الصافي الإصفهاني، الشيخ حسن - الصفحة ٥٥٩ - الأمر الثالث في بيان النسبة بين دليل«لا ضرر»و أدلّة الأحكام
ينفيه
الآخر، ولا يرد النفي والإثبات على شيء واحد، بل يتكفّل أحدهما لما لا
يتكفّل له الآخر، فلا تمانع بينهما ولا تعارض، وهذا بخلاف باب التخصيص،
فإنّ كلّ واحد من الدليلين في«أكرم العلماء»و«لا تكرم الفسّاق» يثبت ضدّ ما
يثبته الآخر، فإنّ الأوّل يثبت وجوب إكرام العالم الفاسق، والثاني يثبت
حرمة إكرام العالم الفاسق، وفي«يجب إكرام العلماء»و«لا يجب إكرام
الفسّاق»يثبت الأوّل ما ينفيه الثاني، فالتعارض من جهة أنّ مركز النفي
والإثبات أمر واحد في هذا الباب.
و عدم التعارض في هذا القسم من الحكومة من جهة أنّ محطّ الإثبات شيء ومحطّ
النفي شيء آخر، فدليل وجوب الحجّ يثبت الحجّ على من فرض استطاعته، ولا
يتكفّل لشيء آخر، فإذا فرض ورود دليل على أنّ«من رجع عن الحجّ غير مالك
لمئونة سنته ليس بمستطيع»فلا تنافي بينه وبين الأوّل أصلا، لأنّه ينفي ما
لا يكون الأوّل مثبتا له وهو استطاعة هذا الشخص.
و أمّا وجه التقديم في القسمين الآخرين-يعني ما تكون الحكومة فيه
بلسان«عنيت»و«أردت»أو ناظرة إلى عقد الحمل-فهو الوجه في تقديم الأمارات على
الأصول بملاك واحد. والوجه المشترك بين المقامين هو: أنّ أحد الدليلين إذا
أثبت حكما لعنوان والدليل الآخر بيّن المراد من ذلك العنوان، لا يعدّ
الثاني معارضا للدليل الأوّل، فإذا سأل زرارة عن الصادق عليه السلام عن حكم
العالم، فقال: «أكرم العلماء»و قال محمد بن مسلم مثلا لزرارة: إنّه عليه
السلام قال: «إنّ مرادي بالعلماء هو العدول منهم»لا يكون تناف وتمانع
بينهما أصلا نعم، يكون منافيا لأصل ثابت ببناء العقلاء، وهو أصالة الظهور
عند الشكّ في المراد، فتكون المعارضة بين الأصل والدليل لا بين الدليلين،
ومن المعلوم أنّ الدليل يتقدّم على الأصل.