الهداية في الأصول - الصافي الإصفهاني، الشيخ حسن - الصفحة ٢٩٤ - الأوّل دعوى الاتّفاق على قبح العقاب بلا بيان
المولى
بشيء ولو بلغ من القوّة ما بلغ ما لم يبرز بمبرز خارجي لا يقتضي تحريك
العبد وانبعاثه إليه-فإنّ الإنسان لا ينبعث إلاّ عن البعث بوجوده العلمي
الّذي هو طريق إلى وجوده الخارجي، ولذا لا يهرب عن حيّة تكون في بيته، ولا
يحترز عن بئر في طريقه ما لم يحصل له العلم بذلك، وربّما يموت عطشا مع وجود
الماء عنده، ومع عدم إمكان الانبعاث عن بعث المولى وإرادته غير المبرزة
بمبرز خارجي يكون العقاب على مخالفته عقابا بلا مقتض، وغير صالح على المولى
الحكيم، لقبحه-كذلك إذا جعل التكليف ولم يوضع في موضع يمكن للمكلّف أن يصل
إليه ويعلم به، يكون العقاب على مخالفته قبيحا وبلا مقتض، والعقل يستقلّ
بعدم صدوره عن الحكيم، فإنّه لا يفعل القبيح، لما عرفت من أنّ الانبعاث لا
يمكن إلاّ عن البعث الواصل، فإذا كان عدم الوصول لمانع من غير ناحية العبد
ولقصور في وظيفة المولويّة، فلا يمكن مؤاخذة مثل هذا العبد على مخالفة مثل
هذا التكليف، على المولى الّذي قصّر في وظيفته.
و الحاصل: أنّ قبح العقاب بلا بيان ممّا لا شكّ فيه ولا شبهة تعتريه، فإنّه
عقاب بلا مقتض، لما عرفت من أنّ مجرّد وجود التكليف واقعا ما لم يكن بحيث
يمكن للعبد عادة الوصول إليه لا يقتضي التحرّك.
نعم، لو كان التكليف بحيث يمكن للعبد أن يصل إليه بالفحص في مظانّه ولم
يفحص، فلا يقبح العقاب على مخالفته، فإنّ المولى لم يقصّر في وظيفته وإنّما
العبد لم يعمل بوظيفته من الفحص، ولذا لا نقول بالبراءة في الشبهات قبل
الفحص أو المقرونة بالعلم الإجمالي، والعقلاء عند ذلك لا يأمنون من العقاب،
بل إمّا يحتاطون ولا يرتكبون ما يحتملون حرمته، أو يفحصون حتى يحصل لهم
الأمن بأنّ المولى لا يعاقبهم-من جهة أعمالهم