الهداية في الأصول - الصافي الإصفهاني، الشيخ حسن - الصفحة ٢٨٢ - حديث الحجب
و قد
أجبنا عن ذلك بجوابين: أحدهما: أنّ لفظ«ما»استعمل في معنى واحد،
وهو«الشيء»و هو ينطبق على الحكم تارة وعلى الموضوع الخارجي أخرى.
ثانيهما: أنّ المراد منه هو الحكم مطلقا، سواء كان كلّيّا أو جزئيّا، فيعمّ الشبهات الموضوعيّة والحكميّة.
و الّذي يوهن الاستدلال بها أنّ إسناد الحجب إلى اللّه تعالى يقتضي
اختصاصه بالشبهات الموضوعيّة، حيث إنّ العباد علمهم محدود ولا يعرفون حقائق
الأشياء، لأنّ اللّه تعالى لم يعلّمهم الغيب وحجب عنهم كثيرا من العلم،
فالمائع المجهول خمريّته مرفوع عنهم، لأنّه ممّا حجب اللّه تعالى عنهم
علمه، فاستفادة لبراءة في الشبهات الموضوعيّة من الرواية في غاية الظهور.
و أمّا الأحكام المجهولة المشتبهة: فاستفادة البراءة منها بالنسبة إليها في
غاية الإشكال، فإنّ اللّه تبارك وتعالى لم يحجب علم الأحكام عن العباد،
بل بيّنها لهم، وإنّما حجبها خلفاء الجور لعنهم اللّه تعالى، فلعلّ
مفاده-على تقدير عدم الاختصاص بالشبهة الموضوعيّة، بل الاختصاص بالشبهة
الحكميّة، كما هو ظاهر إسناد الحجب إلى اللّه تعالى-هو مفاد«اسكتوا عمّا
سكت اللّه عنه» وأنّ ما حجب اللّه علمه عن العباد من الأحكام ولم
يبيّنه[١]أصلا لمصلحة في [١]أقول: لا إشكال في دلالة حديث الحجب على
البراءة الشرعية، ولا يختصّ بالأحكام التي سكت اللّه عن بيانها كي يخرج
عمّا نحن فيه.
توضيح ذلك: أنّ في حديث الحجب-كما في حديث الرفع-امتنانا على الأمّة، وهو
فيما إذا رفع حكم موضوع غير واصل، وأمّا عدم وضع الحكم أصلا فليس فيه
امتنان بل ولا معنى لمرفوعية غير الموضوع والمجعول، وهو مستهجن عرفا.
فالحقّ تماميّة دلالة الحديث-بناء على تمامية السند-على البراءة الشرعية في
الشبهة الحكمية، ولا يختصّ بالشبهة الموضوعية ولا بما لم يجعل أصلا، فلا
يخرج مفاده عمّا نحن فيه. (م).