الهداية في الأصول - الصافي الإصفهاني، الشيخ حسن - الصفحة ١٢٩ - منها الظهور في الألفاظ
باب
العلم في أمثال زماننا قطعيّ، فالطريق منحصر في العلميّ، وحيث إنّ العمدة
منه هي الأخبار فبعد عدم حجّيّة الظواهر ينسدّ الطريق العلميّ لنا، إذ
الأخبار المتواترة أو المحفوفة بالقرائن القطعيّة نادرة جدا، وبقيّة
الأخبار ليست بحجّة إمّا من جهة الدلالة أو من جهة السند[١].
و قد استدلّ-قدّس سرّه-لإثبات ما ذهب إليه بوجوه: الأوّل: أنّ حجّيّة
الظهورات مبنيّة على أصالة عدم الغفلة، التي بنى عليها العقلاء، وهي لا
تجري إلاّ بالنسبة إلى المقصودين بالإفهام، وذلك لأنّه لو فرضنا أنّ
المتكلّم في مقام بيان مراده، وأنّ السامع في مقام الاستماع وفهم مراده،
وتكلّم بكلام له ظاهر، ولم يظهر قرينة على خلافه، فاحتمال إرادة خلاف
الظاهر مع عدم نصب القرينة عن عمد مدفوع بأنّه خلاف المفروض، إذ المفروض
أنّ المتكلّم في مقام البيان، فينحصر احتمال إرادة خلاف الظاهر من دون نصب
القرينة في الغفلة عن نصبها أو غفلة السامع عن استماعها والالتفات إليها،
وكلاهما مدفوع بأصالة عدم الغفلة، التي عليها بناء العقلاء في أمورهم،
وحينئذ إنّما تتمّ حجّيّة الظهور بالنسبة إلى من قصد إفهامه. وأمّا بالنسبة
إلى من لم يقصد إفهامه فأصالة عدم الغفلة غير جارية في حقّه، لعدم كونه
مقصودا بالإفهام حتى يجب على المتكلّم نصب قرينة على إرادة خلاف الظاهر،
ولعلّ بينه وبين من قصد إفهامه قرينة كانت مختفية على غيره.
و فيه: أنّ أصالة عدم الغفلة وإن لم تكن جارية في حقّ غير من قصد إفهامه
إلاّ أنّها ليست أصلا لأصالة الظهور، بل كلّ منهما أصل مستقلّ أجنبيّ عن
الآخر، وبينهما عموم من وجه ربّما يجتمعان وربما يفترقان، فتجري أصالة
[١]قوانين الأصول ١: ٣٩٨ و٤٠٣ و٤٥١-٤٥٢ و٢: ١٠٣.