الهداية في الأصول - الصافي الإصفهاني، الشيخ حسن - الصفحة ١١٦ - و نعني بالسببيّة سببيّة الأمارة لحدوث المصلحة، وهي تتصوّر على أقسام ثلاثة
المختلفين
أو الحكمين الظاهريّين المختلفين، أمّا الحكمان اللذان أحدهما ظاهري
والآخر واقعي فلا تضادّ بينهما أصلا، لأنّ المفروض أنّ الحكمين بما هما
حكمان لا تضادّ بينهما، بل هو ناش من التضادّ في المرتبتين السابقتين
عليهما، وهو مفقود في المقام، إذ الحكم الظاهري لا يكون تابعا للملاك الّذي
في متعلّقه، بل إنّما هو تابع للملاك الّذي يكون في نفس الحكم، والمولى
ربّما يكرهه غاية الكراهة ولا يرضى به أصلا لكنّه يجعله لمصلحة تكون في نفس
الحكم لا في متعلّقه، ففي الفعل ليس إلاّ مصلحة واحدة ملزمة موجبة لاشتياق
المولى إليه وجعله على ذمّة عبده في الواقع، ولا مصلحة في تركه أصلا، ولا
يرضى بتركه المولى أبدا ولكنّه يرخّص في تركه مع ذلك في ظرف جهل المكلّف به
لمصلحة تكون في نفس ترخيصه لا في المرخّص به، فأين التضادّ؟ أو ناش من
التضادّ في مرتبة الوصول اللاحقة لهما، وهو أيضا مفقود في المقام، إذ الحكم
الظاهري حيث إنّه أخذ في موضوعه الشكّ في الحكم الواقعي يكون بنحو لا يمكن
وصوله مع وصول الحكم الواقعي، إذ في ظرف الجهل بالحكم الواقعي لم يصل إليه
إلاّ حكم واحد، وهو الحكم الظاهري، وفي ظرف العلم به لا حكم ظاهري في
البين حتى يضادّ مع الحكم الواقعي الواصل إليه، فالواصل دائما أحد الحكمين،
فلا يقع المكلّف في حيرة في مقام الامتثال، ولا يلزمه الانبعاث والانزجار
معا حتى يحصل التضادّ في هذه المرتبة.
فاتّضح أنّ التضادّ الذاتي ليس بين الحكمين بوجه من الوجوه، والعرضيّ منه
وإن كان قد يتحقّق إلاّ أنّه في المقام مفقود، بل المتصوّر في المقام هو
التضادّ بين الحكمين الواقعيّين أو الظاهريّين، لا فيما كان أحدهما ظاهريّا
والآخر واقعيّا، لما عرفت أنّه سنخ الحكم الظاهري مغاير للحكم الواقعي،