الهداية في الأصول - الصافي الإصفهاني، الشيخ حسن - الصفحة ١١٥ - و نعني بالسببيّة سببيّة الأمارة لحدوث المصلحة، وهي تتصوّر على أقسام ثلاثة
و
بالجملة، حقيقة الحكم إنّما هي الاعتبار لا غير، وهو مسبوق بشيئين: الشوق،
والعلم بالصلاح، وملحوق بشيئين أيضا: الإظهار الخارجي، والوصول إلى
المكلّف، وذلك لأنّ اعتبار اللابدّيّة-مثلا-فعل من أفعال المولى ناشئ عن
اشتياقه بما يعتبره على ذمّة العبد، واشتياقه مسبّب عن علمه بوجود المصلحة
الملزمة فيه، ولا بدّ للمولى-بعد علمه بصلاح شيء واشتياقه به السابقين على
الاعتبار وبعد الاعتبار-من الإظهار خارجا بلفظ، مثل قوله: «افعل»أو كتابة
أو إشارة أو غير ذلك، وبعد إظهاره يتحقّق الوصول، فهناك مراتب خمس، ومن
المعلوم أنّ الاعتبارين بما هما اعتباران لا تضادّ بينهما ذاتا، إذ لا مانع
من اعتبار كون الفعل والترك معا على ذمّة أحد، ولا استحالة في الاعتبار
ذاتا، وإنّما التضادّ والاستحالة عرضيّ ناش من[التضادّ من]المرتبتين
المتقدّمتين أو مرتبة الوصول، إذ لا استحالة في مرتبة الإظهار الخارجي أيضا
في نفسه، ضرورة أنّه لا محذور في قوله: «افعل»و«لا تفعل».
و وجه الاستحالة في مرتبة العلم بالصلاح والاشتياق واضح، إذ لا يمكن أن
يكون لشيء واحد مصلحة ملزمة ومفسدة ملزمة مثلا، ولا يعقل أن يكون الشيء
مشتاقا إليه لأحد ومبغوضا له أيضا من جهة واحدة، فالمولى إمّا أن يشتاق إلى
شيء لمصلحة تكون فيه، راجعة إلى نفسه أو إلى المأمور فيأمر به، أو لا
فلا.
و هكذا في مرتبة الوصول، فإنّ النتيجة المرغوبة من الاعتبارين-و هي
الانبعاث والانزجار-لا يمكن حصولها حيث إنّ المكلّف لا يقدر على الانبعاث
والانزجار عن شيء بعثه المولى إليه وزجره عنه في زمان واحد، بل الممكن له
إمّا الانبعاث أو الانزجار.
و بذلك ظهر أنّ التضادّ العرضيّ ليس إلاّ بين الحكمين الواقعيّين