دروس تمهيدية في تفسير آيات الأحكام - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ١٦٣ - أسئلة و أجوبة
فكأن الآية الكريمة فرغت من البحث عن الصوم الواجب و أخذت من فقرة فَمَنْ تَطَوَّعَ ... بالبحث عن الصوم الاستحبابي، أو هي إشارة إلى ان من تطوّع بدفع الفدية بمقدار أزيد من الواجب عليه فهو خير له من الاقتصار على المقدار الواجب. و أما جملة وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ فهي إشارة إلى مطلب جديد آخر و هو ان الصوم سواء كان واجبا أو مستحبا لا ترجع فائدته إلى اللّه سبحانه بل ترجع إليكم. و ما دامت الآية الكريمة مجملة من هذه الناحية فلا بدّ من الرجوع إلى الروايات، و هي قد يستفاد منها تعين الإفطار، كصحيحة عبد اللّه بن سنان: «سألته عن رجل كبير ضعف عن صوم شهر رمضان قال:
يتصدّق كل يوم بما يجزي من طعام مسكين»[١].
[١] وسائل الشيعة ٧: ١٥١، الباب ١٥ من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث ٥.
يمكن ان نفهم من خلال مراجعة الروايات وجود خط في حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله كان يعمل على العكس و بأشكال مختلفة و استمر يعمل بعد وفاته. و هناك عدّة شواهد يمكن تجميعها في هذا المجال نذكر من بينها:
١- الروايات السابقة الواردة من طرق كلا الفريقين الدالة على وجود جماعة في حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله كانت تحاول الصوم في السفر في الوقت الذي يأمر فيه صلّى اللّه عليه و آله بالإفطار و يمارس ذلك بنفسه، و عبّر عنهم صلّى اللّه عليه و آله بقوله:« أولئك العصاة، أولئك العصاة».
و هكذا بالنسبة إلى الصلاة، حيث كان صلّى اللّه عليه و آله يقصّر و هم يتمّون، و لذا ورد عنه:« خيار أمتي الذين إذا سافروا أفطروا و قصّروا» وسائل الشيعة ٥: ٥٣٩، الباب ٢٢ من أبواب صلاة المسافر، الحديث ٦، و« من صلّى في السفر أربعا فأنا إلى اللّه منه بريء». وسائل الشيعة ٥: ٥٣٨، الباب ٢٢ من أبواب صلاة المسافر، الحديث ٣.
٢- الروايات الدالة على رفضه صلّى اللّه عليه و آله الصلاة خلفه جماعة في النافلة، و لكن مجموعة من الصحابة بقيت مصرّة على ذلك حتى هرب صلّى اللّه عليه و آله منهم و أخذ بالصلاة وحده في بيته.
و قد جاء في الحديث:« ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كان إذا صلّى العشاء الآخرة انصرف إلى منزله ثم يخرج من آخر الليل إلى المسجد فيقوم فيصلي، فخرج في أول ليلة من شهر رمضان ليصلّي كما كان يصلّي فاصطف الناس خلفه فهرب منهم إلى بيته و تركهم ففعلوا ذلك ثلاث-- ليال فقام في اليوم الرابع على منبره فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: أيها الناس ان الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة في جماعة بدعة، و صلاة الضحى بدعة، ألا فلا تجمّعوا ليلا في شهر رمضان لصلاة الليل و لا تصلّوا الضحى، فان تلك معصية، ألا و ان كل بدعة ضلالة، و كل ضلالة سبيلها إلى النار. ثم هو نزل و هو يقول: قليل في سنّة خير من كثير في بدعة». وسائل الشيعة ٥: ١٩٢، الباب ١٠ من أبواب نافلة شهر رمضان، الحديث ١.
و يظهر من الرواية ان الجمع المذكور من الصحابة لم يقتصر على صلاة النافلة جماعة في شهر رمضان- صلاة التراويح- بل كان يزاول صلاة أخرى هي صلاة الضحى.
٣- كان صلّى اللّه عليه و آله يحرّض على كتابة سنته في الوقت الذي كان الخط المذكور يحرّض على العكس و يمنع من تدوين السنة النبوية. حدّث عبد اللّه بن عمرو بن العاص:« كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه[ و آله] و سلّم فنهتني قريش و قالوا: تكتب كل شيء سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه[ و آله] و سلّم و رسول اللّه صلّى اللّه عليه[ و آله] و سلّم بشر يتكلّم في الغضب و الرضا؟! فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه[ و آله] و سلّم فاومأ بإصبعه إلى فيه و قال: اكتب فو الذي نفسي بيده ما خرج منه إلّا حقّ». سنن ابي داود: ٥٦١، الباب الثالث من أبواب كتاب العلم، رقم الحديث ٣٦٤٦، و مسند أحمد ٢: ٢٢٠، رقم الحديث ٦٥١٧.
٤- و في أخريات حياته صلّى اللّه عليه و آله أمر بإحضار ما يكتب لهم فيه كتابا لن يضلّوا بعده أبدا و امتنع البعض من تنفيذ ذلك. حدّث البخاري عن ابن عباس:« لما حضر النبي صلّى اللّه عليه[ و آله] و سلّم و في البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال: هلمّ أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده، قال عمر: ان النبي صلّى اللّه عليه[ و آله] و سلّم غلبه الوجع و عندكم القرآن فحسبنا كتاب اللّه، و اختلف أهل البيت و اختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه[ و آله] و سلّم كتابا لن تضلوا بعده، و منهم من يقول ما قال عمر، فلمّا أكثروا اللغط و الاختلاف عند النبي صلّى اللّه عليه[ و آله] و سلّم قال: قوموا عني».
صحيح البخاري ٨: ٥١٥، كتاب الاعتصام بالكتاب و السنة، باب كراهية الاختلاف.
و ينقل البخاري في موضع آخر انه صلّى اللّه عليه و آله قال:« آتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا فقالوا: هجر رسول اللّه». صحيح البخاري ٣: ٣٥٨، كتاب الجهاد، باب جوائز الوفد.
٥- كان النبي صلّى اللّه عليه و آله في أخريات حياته يأمر بإنفاذ جيش أسامة و يجتهد آخرون في-- مخالفته. يقول الشهرستاني:« و الخلاف الثاني في مرضه انه قال: جهزّوا جيش أسامة، لعن اللّه من تخلّف عنه، فقال قوم: يجب علينا امتثال أمره و أسامة قد برز من المدينة. و قال قوم: قد اشتدّ مرض النبي صلّى اللّه عليه[ و آله] و سلّم فلا تسع قلوبنا مفارقته و الحال هذه فنصبر حتى نبصر أي شيء يكون من أمره». الملل و النحل ١: ١٤، و قريب من هذا جاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١: ١٢٤.
٦- كان صلّى اللّه عليه و آله يصلي في مسجده جماعة و جمع من الصحابة يمتنع من الحضور حتى هددهم صلّى اللّه عليه و آله بإحراق دورهم. حدّث الإمام الصادق عليه السّلام عن آبائه عليهم السّلام:« اشترط رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على جيران المسجد شهود الصلاة، و قال: لينتهين أقوام لا يشهدون الصلاة أو لآمرنّ مؤذنا يؤذن ثم يقيم ثم آمر رجلا من أهل بيتي و هو علي عليه السّلام فليحرقنّ على أقوام بيوتهم بحزم الحطب لانهم لا يأتون الصلاة». وسائل الشيعة ٥: ٣٧٦، الباب ٢ من أبواب صلاة الجماعة، الحديث ٦.
٧- نقل مسلم في صحيحه عن سهل بن حنيف:« لقد كنّا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه[ و آله] و سلّم يوم الحديبية و لو نرى قتالا لقاتلنا، و ذلك في الصلح الذي كان بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه[ و آله] و سلّم و بين المشركين فجاء عمر بن الخطاب فأتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه[ و آله] و سلّم فقال: يا رسول اللّه ألسنا على حقّ و هم على باطل؟ قال: بلى. قال:
أ ليس قتلانا في الجنة و قتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: ففيم نعطي الدنيّة في ديننا و نرجع و لمّا يحكم اللّه بيننا و بينهم، فقال: يابن الخطاب اني رسول اللّه و لن يضيعني اللّه أبدا قال:
فانطلق عمر فلم يصبر متغيظا. فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر ألسنا على حقّ و هم على باطل؟ قال: بلى. قال: أ ليس قتلانا في الجنة و قتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنيّة في ديننا و نرجع و لمّا يحكم اللّه بيننا و بينهم؟ فقال: يا بن الخطاب انه رسول اللّه و لن يضيعه اللّه أبدا. قال: فنزل القرآن على رسول اللّه صلّى اللّه عليه[ و آله] و سلّم بالفتح فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه فقال: يا رسول اللّه أو فتح هو؟ قال: نعم فطابت نفسه و رجع».
صحيح مسلم ٣: ١٤١١، كتاب الجهاد و السير، الباب ٣٤ صلح الحديبية في الحديبية، الرقم ١٧٨٥.
٨- نقل البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري:« بعث علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه[ و آله] و سلّم من اليمن بذهيبة في أديم ... فقسّمها بين أربعة نفر ... فقال رجل من أصحابه: كنّا نحن أحقّ بهذا من هؤلاء فبلغ ذلك النبي صلّى اللّه-- عليه[ و آله] و سلّم فقال: ألا تأمنوني و انا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحا و مساء؟! فقام رجل ... فقال: يا رسول اللّه اتّق اللّه! قال: و يلك أولست أحقّ أهل الارض ان يتّقي اللّه ...». صحيح البخاري ٥: ١٣١، كتاب المغازي، الباب ٦٣، بعث علي بن أبي طالب و خالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع، الرقم ٤٣٥١.
و من الغريب دفاع بعض عن بعض هذه المواقف و ادّعاء انها صادرة عن وعي من وقف بشراسة أمام النبي صلّى اللّه عليه و آله وجها لوجه، حيث يقول:« لا يمكن لأية قيادة إسلامية ان تقدّم التنازلات للأعداء حتى ان ذلك كان وعي الصحابة في عهد الرسالة عند ما كان النبي صلّى اللّه عليه[ و آله] و سلّم يقدّم التنازلات التكتيكية لمصلحة الخطة الاستراتيجية فان المسلمين كانوا يقفون و يقولون: اننا لا نعطي الدنية في ديننا و اننا كنّا لا نتنازل لهم قبل الإسلام فكيف نتنازل لهم بعد ان أعزنا اللّه بالإسلام؟» للإنسان و الحياة: ٣١٨، و« نلاحظ ان ليس هناك في التاريخ شخصية اتّفق عليها المسلمون كشخصية النبي صلّى اللّه عليه[ و آله] و سلّم و لم يحدث هناك أية سلبية حيال النبي في كل واقع الإسلام». نشرة فكر و ثقافة، ص ٢، بتاريخ ٢٧/ ٦/ ١٩٩٧.
و تسجيل هذه المواجهة منقبة للخليفة الثاني أشبه بالاجتهاد في مقابل النص، فقد جاء ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال لعمر يومئذ:« يا عمر اني رضيت و تأبى؟!» و أخذ عمر بعد هذا يقول:
« مازلت أصوم و أتصدّق و أصلي و أعتق مخافة كلامي الذي تكلّمت به». السيرة الحلبية ٢: ٧٠٦، باب صلح الحديبية.
٩- كان الطلاق ثلاثا- أي قول الزوج لزوجته: أنت طالق ثلاثا، أو قوله: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، من دون تخلل الرجعة- على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله واحدا و حكم عليه بعد ذلك بكونه ثلاثا.
قال الجزيري في مبحث تعدد الطلاق:« إذا طلّق الرجل زوجته ثلاثا دفعة واحدة بان قال لها: أنت طالق ثلاثا لزمه ما نطق به من العدد في المذاهب الأربعة. و هو رأي الجمهور.
و خالفهم في ذلك بعض المجتهدين، كطاووس و عكرمة و ابن إسحاق، و على رأسهم ابن عباس رضي اللّه عنهم فقالوا: انه يقع به واحدة لا ثلاث. و دليل ذلك ما رواه مسلم عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه[ و آله] و سلّم و أبي بكر و سنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال عمر: الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم». الفقه على المذاهب الأربعة ٤: ٣٠٣.