دروس تمهيدية في تفسير آيات الأحكام - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٥٤٢ - مناشئ أخرى للإرث
الإسلام محاربا لهذه الفكرة فلاحظ قوله تعالى: وَ ما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَ اللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ* ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَ مَوالِيكُمْ[١].
٢- الهجرة و المؤاخاة، ففي بداية الإسلام حيث هاجر المسلمون و قطعوا علائقهم النسبية بأقاربهم كان الإرث على أساس الهجرة و المؤاخاة، فالمسلم يرثه المسلم الآخر الذي هاجر إلى بلاد الإسلام أو من آخاه من الأنصار، و استمر هذا الحكم لفترة- حيث كانت الضرورة إليه مؤقتة- ثم رفع بآية أولي الأرحام الدالة على ان ملاك الإرث هو القرابة دون الهجرة و المؤاخاة و ان كان من حقّ المسلم الوصية إلى أخيه المسلم فيرثه بالوصية التي هي نحو من المعروف و الإحسان المحبب في الشريعة الإسلامية.
و الى ذلك يشير قوله تعالى: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُهاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً[٢].
[١] الأحزاب: ٤- ٥، و أولاهما تكملة الآية التي ذكرناها برقم ١٤٢، و سيأتي الحديث عن ثانيتهما برقم ٥٨٤ في تسلسل آيات الأحكام.
[٢] الأحزاب: ٦، و سيأتي الحديث عنها برقم ١٩٦ في تسلسل آيات الأحكام.
و قد تثار شبهة حول قانون الإرث و يدّعى ان المناسب عود الأموال الشخصية للإنسان بعد موته إلى المصالح العامة دون أولاده و أقربائه.
و لعل و هن ذلك واضح، فان الورثة امتداد طبيعي للإنسان فإذا لم يتمكّن من أخذ أمواله معه بعد الموت فمن الجدير انتقالها إلى من هو امتداد طبيعي له.
و إذا كانت المصالح العامة جديرة بالاهتمام فلماذا لا يقال بذلك في فترة الحياة أيضا فيحكم على الإنسان في حياته بالحدّ من تصرّفه في أمواله الشخصية و بفسح المجال للمصالح العامّة لكي تتصرف فيها؟
على ان الإنسان إذا عرف ان أمواله لا تستفيد منها ورثته بعد موته فسوف يضعف نشاطه الاقتصادي حيث لا يعود له داع إلى الجدّ و الكدح.