دروس تمهيدية في تفسير آيات الأحكام - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٢١٠ - * الآية ٤٤ سورة الفتح(٤٨) آية ٢٧
٥- ان من الراجح للمؤمن إذا أفاض من عرفات ان يفيض و هو يستغفر اللّه سبحانه. و قد ورد في الحديث عن الإمام الصادق عليه السّلام: «إذا غربت الشمس فأفض مع الناس و عليك السكينة و الوقار و أفض بالاستغفار فان اللّه عز و جل يقول: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَ اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ»[١].
و الآية الكريمة و ان كانت ظاهرة في وجوب ذلك إلّا انه لا بدّ من رفع اليد عنه و المصير إلى الاستحباب لتسالم الأصحاب على عدم الوجوب.
* الآية ٤٤:
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً[٢].
روي في شأن النزول ان النبي صلّى اللّه عليه و آله رأى في منامه في المدينة انه يدخل المسجد الحرام مع أصحابه و أخبرهم بذلك. و في السنة السادسة للهجرة توجّه مع أصحابه إلى مكة لأداء العمرة المفردة، و لمّا وصل إلى الحديبية وقع الصلح و رجع إلى المدينة و لم يدخل مكة فقال المنافقون: ما حلقنا و لا قصّرنا و لا دخلنا المسجد الحرام. و أصاب البعض شك[٣]. و في العام الثاني دخلوا مكة
[١] الكافي ٤: ٤٦٧.
[٢] الفتح: ٢٧.
[٣] روى جماعة منهم البخاري في صحيحه ٣: ٢٤٨، عن المسور بن مخرمة و مروان بن الحكم انهما قالا في حديث طويل بعد تمام صلح الحديبية:« فقال عمر بن الخطاب:
فأتيت النبي صلّى اللّه عليه[ و آله] و سلّم فقلت: أ لست نبي اللّه؟ قال: بلى. فقلت: ألسنا على الحق و عدوّنا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن؟ قال: اني رسول اللّه و لست أعصيه و هو ناصري. قلت: أو ليس كنت تحدثنا انا سنأتي البيت و نطوف به؟- قال: بلى. أفأخبرتك انك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فانك آتيه و مطوف به. فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر: أ ليس هذا نبي اللّه حقا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق و عدوّنا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن؟ قال: أيها الرجل انه رسول اللّه و ليس يعصي ربه و هو ناصره فاستمسك بغرزه تفز حتى تموت فو اللّه انه لعلى الحق. قلت:
أو ليس كان يحدّثنا انا سنأتي البيت و نطوف به؟ قال: بلى. أفاخبرك انا نأتيه العام؟ قلت:
لا. قال: فانك آتيه و مطوف به ...». و قريب من ذلك ما رواه مسلم في صحيحه ٣: ١٤١١.
و من الغريب دفاع البعض عن مثل هذا الموقف و حكمه عليه بكونه ناشئا عن الوعي و ضرورة عدم صحة التنازلات للأعداء، حيث يقول:« لا يمكن لأية قيادة إسلامية ان تقدّم التنازلات للأعداء حتى ان ذلك كان وعي الصحابة في عهد الرسالة عند ما كان النبي يقدم التنازلات التكتيكية لمصلحة الخطة الاستراتيجية، فان المسلمين كانوا يقفون و يقولون: اننا لا نعطي الدنية في ديننا و اننا كنّا لا نتنازل لهم قبل الإسلام فكيف نتنازل لهم بعد ان أعزّنا اللّه بالإسلام؟». للإنسان و الحياة: ٣١٨.