صلاة الجمعة من كتاب الصلاة - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ١٥٩ - الأمر الثاني أدلة القول بوجوب صلاة الجمعة تعيينا مطلقا
ولئن كان هناك مجال لاحتمال اختصاص الدلالة على وجوب الجمعة بخصوص الحضور لها بعد إقامتها بشرائطها، فإنّما هو في الروايات الواردة بلسان وجوب صلاة الجمعة على كل من كان منها على فرسخين، وقد وضّحنا فيما سبق أن لا قيمة لهذا الاحتمال بعد وضوح ظهور هذه الروايات في بيان أصل وجوب الجمعة وإقامتها؛ وذلك:
أولًا: لعدم إمكان حملها على إرادة مَن كان من محلّ إقامتها بشروطها فعلًا على فرسخين؛ للزوم اللغويّة؛ لأنّه قبل إقامتها فعلًا لا يجب الحضور، وبعد إقامتها لا يمكن الحضور لها من فرسخين، فلا يمكن حمل الضمير في قوله: «منها» على صلاة الجمعة القائمة بالفعل، فتتعيّن إرادة المحلّ الذي تتوفّر فيه شروط الوجوب منها، تنزيلًا لتوفّر شرائط وجوب إقامة الجمعة منزلة إقامتها بالفعل؛ لأنّ المفروض بالمسلمين قيامهم بالفرائض الواجبة عليهم ومنها الجمعة.
وثانياً: ورود نظير العبارة في مثل صحيحة زرارة الأولى في سياق الاستثناء من أصل وجوب الإقامة؛ ممّا يدلّ على أنّ المراد استثناء من كان على ما يزيد على فرسخين من أصل وجوب إقامة الجمعة، فيكون من سواه وهو من كان على فرسخين فما دون داخلًا في المستثنى منه وهو أصل وجوب الإقامة، لا خصوص وجوب الحضور لها بعد إقامتها.
ودعوى استبعاد أن يراد بمن كان على فرسخين مَن كان على بُعد فرسخين من محلّ توفّر شرائط الوجوب من العدد والإمام الذي يخطب، دعوى غير مسموعة؛ فإنّه لا وجه لهذا الاستبعاد؛ لتحقّق ذلك كثيراً في أعصارنا، فكيف بالعصور الأولى التي كانت الأمّية هي الحالة الغالبة على عامّة الناس؟!
ومهما يكن من أمر، فلا مجال لاحتمال اختصاص هذه الروايات بخصوص وجوب الحضور لصلاة الجمعة بعد انعقادها وقيامها بشرائطها، بل هي أيضاً كسائر روايات الباب ظاهرة ظهوراً واضحاً في أصل وجوب إقامة صلاة الجمعة وجوباً تعيينياً مطلقاً.