صلاة الجمعة من كتاب الصلاة - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ٣٣٥ - الشرط الثالث المسافة
الأمر الرابع: المعتبر من المسافة إنّما هو المسافة بين مكان الإمام والعدد الذي تنعقد به الجمعة في كل من الجمعتين، ولا عبرة بما زاد على ذلك من جموع المصلّين، ولا بحدود المكان الذي تقام فيه كل من الجمعتين.
لأنّه إذا انعقدت صلاة الجمعة بالخمسة وكان بينها وبين الجمعة الأخرى مسافة ثلاثة أميال صحّت الجمعتان، ولا يضرّ بذلك انضمام عدد آخر من المصلّين إلى كل منهما؛ فإنّ ما انعقد صحيحاً لا يبطل بانضمام مصلّين آخرين.
ولأنّ المسافة إنّما تعتبر بين الصلاتين الصحيحتين في ذاتيهما بغضّ النظر عن المسافة، ويكفي في صحّة كل من الجمعتين انعقادها بالخمسة.
فرع: لو كثر عدد المصلّين ولم يسع لهم المكان، وبقي الأمر دائراً بين أن تقام جمعة أخرى في مكان آخر دون المسافة، وبين أن يُحرَم جمع كثير من الناس من صلاة الجمعة، فهل يقال في هذه الصورة بسقوط شرط المسافة بالقدر الذي يتّسع للمصلّين، أو يقال ببقاء الشرط وانتقال فريضة الجمعة إلى الظهر بشأن من لم يسعهم المكان من المصلّين؟
الظاهر أنّ المورد من مصاديق الاضطرار المنفي بحديث الرفع؛ فإنّ فرض الجمعة واجب على المصلّين جميعاً، فإن لم يتيسّر لهم إقامتها في مكان يسع الجميع دار الأمر بين صورتين:
الأولى: ترك الواجب من رأس اضطراراً.
الثانية: ترك شرط الواجب للاضطرار.
وبما أنّ الاضطرار ليس اضطراراً إلى ترك الواجب من رأس بل هو اضطرار إلى ترك خصوص القيد الذي هو المسافة، فالذي يسقط اعتباره لحديث الرفع خصوص القيد، ويبقى أصل الواجب وهو إقامة الجمعة على حاله من الوجوب التعييني.
نعم، من الواجب عند اتّساع عدد المصلّين إعداد المكان الذي يسعهم جميعاً، ولكن عند عدم تيسّر ذلك وانحصار المكان بما لا يسعهم جميعاً لا وجه للقول بسقوط الواجب التعييني من رأس، بل الصحيح كما ذكرنا سقوط اعتبار القيد، وصحّة إقامة الجمعة فيما دون المسافة مادام الاضطرار.