صلاة الجمعة من كتاب الصلاة - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ١٠٢ - الأمر الثاني أدلة القول بوجوب صلاة الجمعة تعيينا مطلقا
الشريفة إنّما وردت في مقام التوبيخ والتعيير لمن ترك حضور الجمعة المنعقدة بعدما كان أصل تشريعها بشرائطها مفروغاً عنه. فمفادها: أنّ صلاة الجمعة إذا أقيمت بشرائطها وحدودها فعلى الناس أن يسعوا إليها ويذروا ما يشغلهم عنها، وأمّا أنّه على مَن يجب عقدها وإقامتها؟ وما هي حدودها وشروطها؟ فليست الآية في مقام بيانها[١].
وفي الجواب عنه وجوه:
الأول: أنّ الآية التي نبحث عنها وهي الآية الأولى من الآيات الثلاث الأخيرة من سورة الجمعة ليس فيها تقريع أو توبيخ، بل هي كسائر الآيات الواردة في بيان الأحكام متضمّنةٌ للأمر بالسعي إلى ذكر الله وهو صلاة الجمعة بخطبتيها، والأمر ظاهر في الوجوب وبيان الحكم، وإنّما التقريع والتوبيخ على الترك ورد في الآية الأخيرة من الآيات الثلاث، وهو تأكيد للوجوب المبيّن في الآية الأولى، ولا منافاة بين التوبيخ على الترك في الآية الأخيرة وبين ظهور الآية الأولى في بيان الحكم، بل هو مؤكّد لأهمّية الحكم المبيّن في الآية الأولى كما ذكرنا.
الثاني: لا منافاة بين ظهور الآية في بيان الحكم الشرعي وهو وجوب إقامة صلاة الجمعة بالسعي إليها في أوّل وقتها وبين أن يكون تشريع صلاة الجمعة ببيان رسول الله وفعله قد سبق البيان القرآني؛ فإنّ كثيراً من التشريعات ومنها الصلاة وبعض مقدّماتها كالوضوء والغسل قد سبق تشريعها ببيان الرسول (ص) قولًا وفعلًا نزول الآيات المبيّنة لحكمها، ولم يتوهّم فقيه كون ذلك مانعاً من ظهور الآيات في بيان الحكم والتشريع من قبل الله سبحانه وتعالى. بل إنّ كثيراً من الواجبات كالصلاة والزكاة تعدّدت الآيات الواردة في بيان حكمها وتشريعها، وبين الآية والأخرى فواصل زمنيَة غير قصيرة، ولم يتوهّم فقيه رغم ذلك أن لا تكون الآيات التي تأخّر نزولها عن الآية الأولى بصدد بيان الحكم؛ ولذلك فقد جرى ديدنهم على
[١] البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر: ١٦.