صلاة الجمعة من كتاب الصلاة - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ٢٠١ - الأمر الثالث في نفي القول بوجوبها التخييري
أليس المنهج الصحيح في التفكير والاستدلال يفرض علينا أن نتّبع الدليل، وإذا قام الدليل التامّ على شيء أن نرضخ له ونسلّم له، ثمّ إذا شهدنا سلوكاً عقلائياً ينافي الدليل كترك الشيعة لصلاة الجمعة في بعض الأعصار أو الأمصار أن نفحص عن السبب العقلائي الذي أدّى إلى ذلك التصرّف لا أن ننكر الدليل أو دلالته التي تمّت بصورة قطعية ووفقاً لمناهج الاستدلال والتفكير السليم؟!
وقد أشرنا ونؤكّد من جديد إلى أنّ السبب الذي أدّى إلى ترك الشيعة في بعض الأزمنة لإقامة صلاة الجمعة هو الظروف السياسية التي كانت تهيمن على الشيعة مدى القرون؛ فإنّهم كانوا ولا يزالون في كثير من المناطق معرضاً لهجوم الأعداء والجبّارين وبطشهم وتنكيلهم، فلم يكن من مقدورهم في كثير من الأعصار والأمصار أن يجتمعوا لإقامة الجمعة، بل ولم يكن من مقدورهم إظهار تشيّعهم وولائهم لأهل البيت (عليهم السلام)، فكيف بأن يجتمع منهم لإقامة الجمعة عدد يملأ العيون وتشخص له الأبصار بل وعدد تصحّ معه الجمعة وهم آمنون على أنفسهم وأهليهم وأموالهم من كيد الجبابرة والطغاة؟!
وفي بعض الروايات التي مضت إشارة إلى وجود عامل الخوف المانع من اجتماع أقلّ ما يعتبر من العدد في وجوب الجمعة؛ إذ ورد فيها التعبير بالقول: «فإذا كانوا سبعة ولم يخافوا أمّهم بعضهم وخطبهم»[١].
ورابعاً: أنّ في القول بوجوبِ إقامة صلاة الجمعة تخييراً، ووجوبِ الحضور لها عند إقامتها تعييناً، خروجاً آخر على إجماع المسلمين واتّفاقهم بجميع طوائفهم؛ فإنّ الإجماعَ المركّب من النافين لوجوب صلاة الجمعة والمثبتين له قائمٌ على بطلان هذا التفصيل، وقد تنبّه السيد الخوئي نفسه إلى ذلك كما سبق فيما حكيناه من عبارته ولكنّه بدلًا عن أن يعدل عن هذا القول ويعتبر هذا الإجماع المركّب الذي هو من أوضح مصاديق الإجماع الكاشف عن رأي المعصوم دليلًا يكشف عن بطلان ما انتهى إليه رأيه، لجأ إلى القول بوجوب الحضور لها عند
[١] وسائل الشيعة: الباب ٢ من أبواب صلاة الجمعة، ح ١٠.