صلاة الجمعة من كتاب الصلاة - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ٢٠٢ - الأمر الثالث في نفي القول بوجوبها التخييري
إقامتها بالاحتياط الوجوبي. وكأنّ مقصوده من الاحتياط الوجوبي هو الاحتياط الظاهري أي الاحتياط بين الأدلّة؛ إذ لا مجال للاحتياط الواقعي هنا؛ للقطع بعدم كونه موافقاً مع الواقع فإنّه لمّا أصرّ على عدم حجّية ظهور الروايات الدالّة على الوجوب التعييني من جهة، ولم يسعه التخلّص التامّ عن الأدلّة الدالّة على وجوب صلاة الجمعة، اضطرّ إلى أن يتخلّص عن دلالتها على وجوب الإقامة تعييناً بحملها على وجوب الحضور بعد الإقامة، كما لم يسعه الذهاب إلى عدم مشروعيّة إقامة صلاة الجمعة لمنافاة ذلك للأدلّة القاطعة، فكانت نتيجة هذه الأدلّة عنده: الوجوب التخييري لإقامة صلاة الجمعة ووجوبها التعييني بعد إقامتها، ولكنّه وجد مخالفة إجماع المسلمين لهذه النتيجة مانعاً عن الفتوى بها؛ فوجد نفسه بين طريقين: إمّا القول بوجوبها التخييري مطلقاً، أو القول بوجوبِها التخييري إقامةً ووجوبِ الحضور لها تعييناً بعد إقامتها، ولمّا كان الثاني أحوط الرأيين دليلًا، ذهب إليه من باب الاحتياط الوجوبي في المسألة الأصوليّة.
وخامساً: إن كان لابدّ من الاحتياط؛ فلا داعي للاحتياط الظاهري بين أدلّة الباب، بل الصحيح هو الاحتياط الواقعي لإحراز الواقع؛ وهو الاحتياط في المسألة الواقعيّة الفقهية بالقول بالوجوب التعييني لإقامة صلاة الجمعة احتياطاً مطلقاً، لا ما ذهب إليه (قدس سره) من الاحتياط الظاهري الأصولي؛ لأنّ الحكم الواقعي لصلاة الجمعة بعد التشكيك في وجوبها التعييني، والقطع ببطلان القول بعدم المشروعيّة دائر بين التعيين والتخيير، ومقتضى الاحتياط عند الدوران بين التعيين والتخيير هو التعيين؛ فإنّ الروايات الكثيرة الدالّة على وجوب إقامة صلاة الجمعة تعييناً مطلقاً ليست بأقلّ من أن تثير في النفس احتمال الوجوب التعييني لإقامة صلاة الجمعة واقعاً، فإذا دار الأمر بين هذا الاحتمال، واحتمالِ الوجوب التخييري واقعاً، فمقتضى الاحتياط هو العمل وفقاً للوجوب التعييني مطلقاً، مع العلم أنّ حرمة إقامة صلاة الجمعة غير محتملة إطلاقاً ولذا لم يذهب إليها السيد الخوئي لمخالفتها القطعيّة للأدلّة المتضافرة، ولإجماع فقهاء الإمامية بل وفقهاء المسلمين، ولأنّ غاية ما يمكن تحميله على