صلاة الجمعة من كتاب الصلاة - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ١٧٨ - الأمر الثاني أدلة القول بوجوب صلاة الجمعة تعيينا مطلقا
تعيينيّة، لوجبت إقامتها على من كان بعيداً عنها بأزيد من فرسخين في محلّه؛ لأنّ مفروضنا وجوبها على كل مكلّف تعييناً، وإمام الجماعة يوجد في كل قرية ومكان من بلاد المسلمين، اللهمّ إلّا أن يحمل الأخبار على سكنة الجبال ومن يعيش في القلل على سبيل الانفراد، وهو من الندرة بمكان»[١].
والجواب عنه: أنّا ذكرنا سابقاً عند الاستدلال بهذه الروايات على وجوب صلاة الجمعة تعييناً عدم إمكان رجوع الضمير في قوله (ع): «تجب الجمعة على كل من كان منها على رأس فرسخين»، وكذا في النصّ الذي لم يرد فيه الضمير لكن ورد معناه، كصحيحة زرارة: «ومن كان على رأس فرسخين» إلى ذات صلاة الجمعة القائمة بالفعل؛ لأنّ ذلك يستلزم اللغوية في اكثر المصاديق؛ فإنّ الذي يبعد عن صلاة الجمعة بفرسخين أو بأقلّ منه بيسير مثلًا لا تجب عليه الصلاة قبل قيامها؛ لأنّها إنّما تجب على من كانت المسافة بينه وبينها أي ذات صلاة الجمعة فرسخين أو أقلّ، وهذا أي الكون بمسافة لا تزيد عن فرسخين عن صلاة الجمعة لا يتحقّق إلّا بعد قيام الصلاة، فهو قبل قيام الصلاة لا تجب عليه صلاة الجمعة؛ لعدم وجود صلاة جمعة بينه وبين فرسخين لتجب عليه، وبعد قيام صلاة الجمعة لا يمكن لأكثر من في دائرة الفرسخين الحضور لها وإدراكها، وإنّما ينحصر إمكان الحضور لها وإقامتها في الحاضرين عند محلّ إقامتها أو القريبين جدّاً منه بحيث يمكنهم إدراك الجمعة إن سعوا إليها بعد إقامتها، وهذا يعني لغويّة الخطاب بالنسبة لأكثر المخاطبين، أو خروج أكثر أفراد العامّ من تحته، وهو مستهجن عرفاً.
فيتعيّن إذاً كما ذكرنا سابقاً أن يكون المقصود بطرف النسبة في البُعد أو قل بضمير «منها» أو ما بحكمه الجماعة التي يجب عليها إقامة الجمعة؛ أي التي يتوفّر فيها شرائط الوجوب من العدد والخطيب وما إلى ذلك، فيكون المعنى: وجوب صلاة الجمعة على كل
[١] التنقيح في شرح العروة الوثقى( كتاب الصلاة) ٣٠: ١- ٣١.