صلاة الجمعة من كتاب الصلاة - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ١٧٧ - الأمر الثاني أدلة القول بوجوب صلاة الجمعة تعيينا مطلقا
إذاً، فالاحتمال الثاني هو المتعيّن كما أشرنا، ومع التشكيك في ذلك فلا أقلّ من وروده وقوّته، فلا وجه لتعيين الاحتمال الأوّل؛ لعدم ظهور الكلام فيه، فالمقطوع به عدم دلالة الرواية على عدم إقامة أصحاب الأئمة (عليهم السلام) لصلاة الجمعة مطلقاً.
النقطة الثالثة: لا دلالة في صحيحة عبد الملك بن أعين على كون سيرة أصحاب الأئمة على ترك صلاة الجمعة؛ فإنّ الظاهر من هذه الصحيحة أيضاً ورودها بصدد دفع ما كان يساور أذهان بعضهم من مثل عبد الملك بن أعين من استمرار ظروف التقيّة التي تمنعهم من إقامة صلاة الجمعة بأنفسهم، فكان تأكيد الإمام (سلام الله عليه) على إقامتها تنبيهاً على زوال ظروف التقيّة وتمكّنهم من إقامتها بأنفسهم. وممّا يدلّ على ذلك من الرواية نفسها فضلًا عن غيرها ممّا ورد متضمّناً للإشارة إلى ظروف الخوف التي كانت تحيط بأتباع الأئمة في بعض الأحيان صراحة الرواية في وجوب إقامة صلاة الجمعة وجوباً تعيينياً؛ فإنّ قوله (ع) مخاطباً لعبد الملك: «مثلك يهلك ولم يصلِّ فريضة فرضها الله!» فيه توبيخ على ترك صلاة الجمعة، وهو كالصريح في وجوبها التعييني، فينحصر وجه عدم إقامته لها في توهّم وجود العذر الذي أراد الإمام بتأكيده على إقامتها التنبيه على ارتفاعه وزواله. وأمّا أنّ التوبيخ لا يناسب الوجوب بل يناسب الاستحباب فهو ممّا لا أساس له، بل التوبيخ إنّما يناسب ترك الواجب؛ لأنّ ترك العمل المندوب الذي أباح الشارع تركه لا مقتضي فيه للتوبيخ على تركه.
وبهذا تبيّن أنّ المانع الثاني الذي يذكره السيد الخوئي مدّعياً منعه عن الأخذ بما دلّ من الروايات الصحيحة الكثيرة على الوجوب التعييني لصلاة الجمعة لا وجود له إطلاقاً، فظهور الروايات المذكورة بل صريح بعضها هو الحجّة التي لابدّ من الأخذ بها.
المانع الثالث عن الأخذ بالروايات الدالّة على الوجوب التعييني لصلاة الجمعة حسب دعوى السيد الخوئي (قدس سره): الأخبار الواردة في عدم وجوب الحضور لصلاة الجمعة على من كان بعيداً عنها بأزيد من فرسخين، قال:
«والوجه في دلالتها على عدم وجوب الجمعة تعييناً أنّ الحضور لها إذا لم يكن واجباً على النائي بأزيد من فرسخين، وبنينا على أنّ صلاة الجمعة واجبة