صلاة الجمعة من كتاب الصلاة - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ٦١ - الأمر الأول اشتراط حضور الإمام مطلقا في صحة والوجوب
أمّا في زمن الخلفاء غير المعصومين بعد الرسول فسيرتهم في هذه الأمور غير حجّة؛ لأنّهم كانوا يحرصون على السيطرة الكاملة على كل مواقع النفوذ الاجتماعي والسياسي، وإمامة الجمعة من أهمّ مواقع النفوذ الاجتماعي والسياسي؛ لاشتمالها على الخطبتين مع اجتماع الجمهور، ولعلّهم إنّما تدخّلوا في نصب أئمة الجمعة في كل مكان لو صحّ ذلك حذراً من أن تسيطر على هذا الموقع تيّارات سياسية مناهضة لسياساتهم، لا لكون ذلك شرطاً شرعياً في انعقاد الجمعة.
وأمّا في عصر أمير المؤمنين (ع) فلم يثبت أنّه (ع) نهى عن إقامة الجمعة من قبل الرعيّة أنفسهم من غير نصب من قبله، وعلى تقدير أن يكون قد جرى على سيرة الماضين، فلعلّ ذلك من باب التقيّة التي جرى عليها صلوات الله عليه في بعض ما لم يغيّره من سيرتهم و سنّتهم.
سادساً: ذكر الماوردي في الأحكام السلطانية إنّ «المساجد على قسمين: مساجد سلطانية، ومساجد عاميّة. فأمّا المساجد السلطانية: فهي المساجد والجوامع والمشاهد وما عظم وكثر أهله من المساجد التي يقوم السلطان بمراعاتها، فلا يجوز أن يندب للإمامة فيها إلّا من ندبه السلطان لها وقلّده الإمامة فيها إلى أن قال: وأمّا المساجد العامّيّة التي يبنيها أهل الشوارع والقبائل في شوارعهم وقبائلهم فلا اعتراض للسلطان عليهم في أئمة مساجدهم، وتكون الإمامة فيها لمن اتّفقوا على الرضا بإمامته»[١].
يدلّ هذا النصّ على عدم جريان السيرة لدى الحكّام والخلفاء على تعيين إمام الجماعة والجمعة في كل مكان، بل في خصوص المساجد الكبرى التي كان يرعاها السلطان، مع العلم أنّ المساجد الكبرى إنّما كانت تشيّد وتؤسّس من قبل الحكّام؛ لعجز الناس العاديّين عن إقامة أمثالها كما هو الحال في عصرنا الحاضر، وبما أنّ طبيعة الجمعات تستدعي احتشاد جموع غفيرة من الناس، فكان من الطبيعي أن تقام الجمعات الكبرى في الجوامع الكبرى الخاضعة لهيمنة السلطان، وقد كان السلطان هو الذي يعيّن إمام الجماعة لتلك المساجد كما نصّ على ذلك الماوردي فيما نقلناه عنه. وعندئذٍ فكان من الطبيعي أيضاً أنّ يعيّن لتلك المساجد من يقيم الجمعة أيضاً، فجرت السنّة على ذلك بين السلاطين.
إذاً، فالسيرة المدّعاة لم تكن عامّة، بل خاصة بمساجد السلاطين وهي المساجد الكبرى، وعلى تقدير كونها عامّة فهي لا تكشف عن سنّة معصومية على شرطية حضور الإمام أو نائبه في شرعية انعقاد الجمعة وصحّتها، بل الظاهر نشوؤها عن سياسات السلاطين في كمّ الأفواه
[١] المصدر السابق: ١٠٠- ١٠٢.