صلاة الجمعة من كتاب الصلاة - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ١٧٦ - الأمر الثاني أدلة القول بوجوب صلاة الجمعة تعيينا مطلقا
الأول: أن يكون السبب في حثّهم عدم إقامتهم للجمعة مطلقاً بنحو السالبة الكلّية، وهذا هو الاحتمال الذي بنى عليه المستدلّ فهمه لدلالة الرواية على قيام سيرة أصحاب الأئمة (عليهم السلام) على عدم إقامة صلاة الجمعة.
لكنّ الذي يضعّف هذا الاحتمال: ما أشرنا إليه من قيام الأدلّة القطعية التي تشهد على إقامتهم لها إلّا في ظروف التقيّة والخوف التي كانت تمنعهم من إقامتها بأنفسهم، فكانوا يقيمونها مع العامّة، فالرواية ناظرة إلى أنّ ظروف الخوف التي كانت تمنعهم من إقامة الجمعة بأنفسهم قد زالت ويمكنهم الآن إقامة الجمعة بأنفسهم، فجاء الحثّ تأكيداً على ضرورة إقامتها بأنفسهم؛ لأنّ ظروف التقيّة التي لم تكن تسمح لهم بإقامتها بأنفسهم قد تغيّرت وزالت، وحدثت ظروف جديدة تسمح لهم بذلك، فلابدّ أن يقيموها بأنفسهم.
الاحتمال الثاني: إنّ السبب في حثّهم على إقامة الجمعة عدم إقامتها بنحو السالبة الجزئيّة، وهذا هو الاحتمال الأقرب الذي تدعمه الروايات الأخرى الدالّة على أنّ ظروف الخوف والتقيّة كانت تمنعهم أحياناً من إقامتها بأنفسهم، فكانوا يقيمونها مع العامّة، أو لأنّهم كانوا يقيمونها في الأمصار فحسب لقلّة عددهم في غير الأمصار، فجاء الحثّ من الإمام ترغيباً لهم في إقامتها في غير الأمصار بعد تزايد أعدادهم وانتشارهم، أو لأنّهم كانوا يقيمونها في أماكن لم تكن تسع لجميع من تجب عليه صلاة الجمعة ممّا كان يحول دون مشاركة الآخرين ممّن لم يسعهم المكان، أو بغير ذلك من أشكال الإقامة المحدودة لصلاة الجمعة، فجاء حثّ الإمام تأكيداً لهم بضرورة إقامتهم للجمعة مطلقاً من دون خوف ولا تقيّة وبالطريقة التي تفي بأداء الواجب من جميع من تتوفّر فيه شروط وجوبها.
وقد تبيّن بما ذكرناه:
تعيّن الاحتمال الثاني؛ وهو أنّهم كانوا يقيمونها إجمالًا مع العامّة لظروف التقيّة أو بأنفسهم بصورة محدودة، فجاء الحثّ تأكيداً على زوال ظروف التقيّة وضرورة إقامتهم للجمعة بأنفسهم كلّما توفّرت شروطها حتّى وإن كانت خارج الأمصار وفي القرى والسواد، وهو الاحتمال الأقرب كما أشرنا.