صلاة الجمعة من كتاب الصلاة - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ١٣١ - الأمر الثاني أدلة القول بوجوب صلاة الجمعة تعيينا مطلقا
كان مقتضى قرينة السياق أن لا يكون المراد بالأمر بالمحافظة على الصلاة الوسطى المتميّزة من باقي الصلوات بشدّة الاهتمام بها أقلَّ من المراد بالأمر بالمحافظة على سائر الصلوات، والمراد بالمحافظة على سائر الصلوات هو الإتيان بها في أوّل وقتها وعدم جواز إهمالها والاستخفاف بها بتأخيرها عن اول وقتها و كذا بتركها وعدم الإتيان بها، فيكون الأمر كذلك في الصلاة الوسطى، فيجب إذاً الاهتمام بها وإتيانها في أوّل وقتها و عدم تركها بحال من الأحوال، وهذا ينافي عدم وجوبها في أكثر الأزمنة والظروف بسبب عدم حضور الإمام أو من نصبه.
والحاصل: أنّ قرينة السياق وتخصيص الصلاة الوسطى بالأمر الخاص يدلانّ على ضرورة الاهتمام بالصلاة الوسطى بأشدّ من الاهتمام بغيرها من الصلوات، وهذا ينافي عرفاً اشتراط الصلاة الوسطى بشرط يجعل من المتعذّر الاهتمام بها بنفس النوع من الاهتمام بسائر الصلوات فضلًا عن الزيادة عليه.
الدليل الثالث: من الكتاب أيضاً قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَ لا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ[١].
دلّت الآية على حرمة التهاء الإنسان المكلّف بالأموال والأولاد وهي من أشدّ ما يمكن الالتهاءً به التهاءً يشغله عن ذكر الله المقصود به خصوص صلاة الجمعة؛ بقرينة آية الجمعة السالفة الذكر، أو المقصود به ما يعمّ صلاة الجمعة لأنّها ومن دون شكّ من أبرز مصاديق ذكر الله.
وحينئذٍ، فلو حلّ وقت صلاة الجمعة ثمّ التهى الإنسان بغير صلاة الجمعة من ألوان الالتهاء الذي من أشدّه الالتهاء بالمال والولد، كان عاصياً لهذا النهي متخلّفاً عن التكليف
[١] سورة المنافقون: ٩.